مقالات

أسامة خليفة: تصويب مسار عملية السلام في حال تجدد مفاوضاتها.

أوسلو ليست من مخلفات الماضي، هي باقية ما بقي التنسيق الأمني، وما بقي بروتوكول باريس فارضاً التبعية على الاقتصاد الفلسطيني، يمنعه من الانعتاق والبناء والتطور، وما دامت السلطة الفلسطينية متمسكة ببنود هذه الاتفاقات، رغم أن اسرائيل تتنصل من تنفيذ ما جاءت به عملية السلام، ورغم أن انتهاء المرحلة الانتقالية للاتفاق قد مضى على إطارها الزمني ربع قرن، ويفترض أن تقوم دولة فلسطين المستقلة في العام 1997، كنهاية محددة لمفاوضات الحل الدائم لمدة 3 سنوات، لهذا راهنية الكثير من القضايا المتعلقة بالمفاوضات قبل أن تتوقف منذ أبريل/ نيسان 2014، تستوجب الوقوف أمامها بالنقد والمراجعة للاستفادة من تجربة كارثية، قاد إليها ليس فقط تعنت اسرائيل وسياستها العنصرية الاستعمارية، وتساوق الأطراف الدولية الراعية للمؤتمر مع الضغوط الإسرائيلية، بل أخطاء وتنازلات القيادة الفلسطينية المتنفذة، هذا الواقع الفلسطيني الصعب الذي أدت إليه عملية السلام تتطلب ضرورة إعادة النظر في الشروط المجحفة، وبخاصة ما يتعلق بحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وإزالة القيود والعقبات التي توضع في طريق السلام.

كتاب «الطريق الوعر» الذي يحمل الرقم «1» في إطار سلسلة «الطريق إلى الاستقلال»، التي يصدرها المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف». يتعمق في هذا الأمر ويتابع خطوة بخطوة مجريات التفاوض، موضحاً ما آلت إليه من حالة كارثية على القضية الوطنية الفلسطينية، ويضع تصوراً لتصويب عملية السلام فيما لو استكملت، لتدارك أخطاء الماضي وخوض معركة التفاوض بنجاح وكفاءة تحققان المكاسب وفق الرؤية الوطنية والمصلحة العليا لشعب فلسطين.

ضمن إطار الترتيبات لحكومة ذاتية انتقالية فلسطينية قدم الوفد الفلسطيني المفاوض في مؤتمر مدريد للسلام في 1/9/1992، وفي الجولة السادسة من المفاوضات الثنائية، مشروعاً مؤلفاً من عشر نقاط وفقاً لما ورد في الدعوة إلى مؤتمر مدريد للسلام لمفاوضات ترتكز على قرارات مجلس الأمن ومبدأ الأرض مقابل السلام. عناوين المشروع الفلسطيني المقدم جاءت كما يلي:

1-  مفهوم الترتيبات الانتقالية 2- انتخاب الحكومة الذاتية وصلاحياتها 3- الصلاحيات 4- انسحاب الحكم العسكري الإسرائيلي وقواته 5- القدس 6- المستوطنات الإسرائيلية 7- النازحون والمبعدون 8- الأمن 9- المراقبة وحل النزاعات 10- الاطار الزمني .

لابد من الإشارة أن الالتزام بالإطار الزمني قد حدد في رسالة الدعوة الأمريكية، على أن المفاوضات بشأن الوضع الدائم سوف تبدأ بما لا يتعدى 30 تشرين أول/أكتوبر 1994 وتنتهي بما لا يتعدا 30 تشرين أول/أكتوبر 1997.

وكان المجلس الوطني الفلسطيني في دورته العشرين المنعقد في الفترة 23-28/9/1991 قد أقر استعداد «م.ت.ف.» للمشاركة في مؤتمر السلام إذا توفرت الأسس التالية:

1-  الالتزام بتطبيق قرارات الشرعية الدولية على قاعدة الأرض مقابل السلام والحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني.

2-  ضمان حق «م.ت.ف. » بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في تشكيل وفدها من داخل الوطن وخارجه بما في ذلك القدس ومشاركته على قدم المساواة والتكافؤ مع سائر الأطراف.

3-  وقف الاستيطان كشرط لا غنى عنه لبدء عملية السلام.

4-  ضمان حضور القدس موضوعاً وتمثيلاً في جميع مراحل المفاوضات بوصفها جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

5-  استبعاد الحلول الجزئية والمنفردة وضمان التنسيق العربي على هذا الأساس.

6-  ضمان الترابط بين مسارات الحل ومراحله وصولاً إلى الحل الشامل طبقاً لقرارات الشرعية الدولية.

إن المتتبع لمسار المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي يرصد نقطة انطلاق المفاوض الفلسطيني، ودرجة انحداره جولة بعد جولة، متخلياً عن عوامل القوة بين يديه، وأهمها: عاملا الانتفاضة والوحدة الوطنية.

كانت أولى مظاهر الانحدار هو المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام وفق الصيغة الأمريكية للتمثيل الفلسطيني ضمن وفد أردني فلسطيني مشترك لا يضم في صفوفه فلسطينيين من القدس ولا الشتات ولا الأراضي المحتلة عام 1948، ودون ارتباط معلن بـ «م.ت.ف.»، إن الوفد المشارك في مؤتمر السلام لا يمثل إرادة الشعب الفلسطيني ولا هو يمثل وحدة الشعب في الداخل بما فيها القدس والخارج، ولم ينتخبه أحد، ولم يتقرر تشكيله بإجماع الائتلاف الوطني، ويخل بقواعد هذا الإجماع، ويشكل خروجاً عنه، ويتنافى مع قرارات المجلسين الوطني والمركزي، وتشكيله ينسجم مع المعايير التي فرضتها اسرائيل ويرضخ لشروطها المسبقة. 

بررت الأوساط البرجوازية المتنفذة في «م.ت.ف. » قرارها أن المشاركة بحد ذاتها لا تعني التخلي عن الأهداف والحقوق الوطنية، هذا صحيح جزئياً، ولكن الصحيح أيضاً المشاركة بالمفاوضات بهذه الشروط تملي مساراً محدداً لعملية التفاوض يقود إلى القبول بالحل الذي يتجاهل الحقوق الوطنية، فالدخول إلى حلبة المفاوضات مكبلاً بالقيود والشروط الإسرائيلية المسبقة التي تفرضها الصيغة الأمريكية، والتي تمنع أن يتحدث باسم منظمة التحرير الفلسطينية لكون الوفد مشكلاً من فلسطينيي الضفة والقطاع، يحدد مسبقاً موضوع المفاوضات بحل مشكلة سكان الضفة والقطاع، أما القدس فيحظر البحث في موضوعها إلا في المرحلة اللاحقة في مفاوضات الوضع الدائم، أما مسألة اللاجئين فتعالج في نطاق المفاوضات المتعددة الأطراف بين الدول العربية وإسرائيل، باعتبارها واحدة من القضايا الإقليمية وليس باعتبارها عنصراً جوهرياً من عناصر القضية الفلسطينية، يعني هذا التسليم بفصل مشكلة اللاجئين عن مصير الضفة والقطاع واعتبارها مشكلة عربية-إسرائيلية مما يفتح الطريق واسعاً أمام مشاريع التوطين.

إن النتيجة التصفوية التي يقود إليها هذا المسار واضحة بأبعادها الكارثية، والمشاركة في المفاوضات وفقاً لهذه الشروط المسبقة تنطوي على آليتها الخاصة لدفع السائرين في هذا المسار إلى هذه النتيجة بصرف النظر عن أمانيهم ورغباتهم، إن السياسة التي انتهجها اليمين المحافظ في قيادة م.ت.ف. أضعفت قدرتها على التأثير في عملية السلام وتصحيح مسارها، ويبرز الآن بوضوح أنها قادت عملياً إلى التسليم بالصيغة الأمريكية الممسوخة للتمثيل الفلسطيني الذي يحدد مجرى ومسار العملية التفاوضية.

وفقاً لرسالة التطمينات الأمريكية لمختلف الأطراف فإن مسار المفاوضات الثنائية حول الأرض والحقوق الفلسطينية لن يكون مرتبطاً بمسار المفاوضات المتعددة الأطراف التي تدور حول تطبيع العلاقات العربية – الإسرائيلية بمعزل عن حل مشكلة الأرض والحقوق الفلسطينية.

كما تمنع رسالة التطمينات إثارة موضوع القدس إلا في المرحلة الثانية من المفاوضات بعد ثلاث سنوات من تطبيق الحكم الذاتي، وهذا يعني التسليم مسبقاً بفصل قضية القدس عن سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي لا تتضمن أية ضمانات بشأن وقف الاستيطان، بما يعني أن بناء المستوطنات ونهب الأرض سوف يتواصل، مما يعطي لإسرائيل القدرة على فرض الأمر الواقع بتحويل الحكم الذاتي إلى إدارة ذاتية لشؤون السكان لا سيطرة لها على الأرض والموارد الطبيعية. 

أصرت الولايات المتحدة على رفض الترابط بين مسارات الحل، وأصرت أيضاً على رفض الربط بين مراحل الحل، فموضوع المفاوضات لحل القضية الفلسطينية تجري في نطاق تسوية انتقالية تقوم على الحكم الذاتي، يتم التوصل إليها خلال عام، وبعد ثلاث سنوات تبدأ المفاوضات على الحل الدائم، ولا ربط بين المرحلتين، وهذا يعني التسليم المسبق بأن تنفيذ التسوية الانتقالية (الحكم الذاتي) لن يكون مرتبطاً بأي التزام دولي أو إسرائيلي بشأن نتيجة المفاوضات حول الوضع النهائي للأراضي، وانسحاب اسرائيل منها.  

تهدف واشنطن بذلك تحقيق جملة من الأهداف دفعة واحدة:

أولها: النيل من المكانة التمثيلية لـ «م.ت.ف.» ومن الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني.

وثانيها: تحديد سقف الحل الفلسطيني في مرحلته الأولى الانتقالية في نطاق حل مشكلة «سكان» الضفة والقطاع في إطار الحكم الذاتي.

وثالثها: استبعاد مطلب الاستقلال الفلسطيني أو حتى تقرير المصير استبعاداً مسبقاً من جدول أعمال المفاوضات، وبالتالي الحل الذي ينتج عنها، حتى في مرحلتها الثانية التي ستبحث الوضع النهائي للمناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967.  

رابعها: استبعاد حل مشكلة اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية من جدول المفاوضات الثنائية المباشر، وتحويله إلى مسألة داخلية عربية بإحالته على جدول أعمال مفاوضات المسار المتعدد الأطراف بين الدول العربية وإسرائيل، مثل الماء والبيئة والتنمية والتطبيع.

إن الاعتراض على التسوية وفق الشروط الأمريكية لا تقوم على المقاطعة السلبية لمسيرة السلام وتسجيل الاحتجاج عليها، بل هي تهدف إلى التأثير الفعلي في مسارها ونتائجها، وهدفها هو تحطيم القيود والشروط المسبقة التي تفرضها أمريكا وإسرائيل على عملية السلام، وإبراز حقيقة أن هذه القيود والشروط تقود عملية السلام إلى الطريق المسدود، إذاً هدفها هو تصويب مسار عملية السلام، وفتح الطريق لتصحيح اتجاهها بما يلبي متطلبات الشرعية الدولية، ويستجيب للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

إن التسوية الأمريكية تتعارض في جوهرها مع المصالح الملموسة للأغلبية الساحقة من جماهير الشعب بما في ذلك قطاعات واسعة من البرجوازية الوطنية، في الداخل وفي الخارج، وتتجاهل الحقوق الفلسطينية في تقرير المصير والعودة والاستقلال، وتجزئ وحدة الشعب وقضيته وتطمس هويته ووجوده الوطني، وبقدر ما يتقدم مسار الحل الأمريكي بقدر ما يبرز هذا التعارض إلى السطح أكثر فأكثر، وبقدر ما تتنامى القدرة على استنهاض المقاومة الجماهيرية ضد هذا المسار، وتعاظم القدرة على تنويع الشعارات التعبوية وتكتيكاتها وفقاً لمجرى المعركة، فمحاور ومراحل الصراع ضد الحل الأمريكي متعددة ومتحركة، تتركز أبرز محاور الصراع في العناوين التالية:

1       – إن معركة التمثيل لم تنته بعد، إنها ما زالت محوراً رئيسياً من محاور الصراع في مواجهة الحل الأمريكي، وفي حال تجدد مفاوضات السلام وبرعاية الأمم المتحدة لإيجاد حل للقضية الفلسطينية لابد من الحضور المباشر والمتكافئ لـ «م.ت.ف.»، بوفد تشكله من الداخل والخارج بما في ذلك القدس، والتمسك بالدور التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية ومكانتها كممثل شرعي ووحيد الفلسطيني وناطق بلسانه، دون تفويض أو إنابة أو مشاركة، وفقاَ لقرارات مؤسساتها التشريعية، إن واحدة من أبرز مهمات القوى الوطنية في المرحلة المقبلة تتحدد في الدفاع عن دور«م.ت.ف.» والتصدي لأي اتجاه يسعى إلى تبهيت هذا الدور أو التفريط به، ومهما يكن عمق الخلاف السياسي مع الاتجاه المهيمن على قيادة «م.ت.ف.»، فإن هذا الخلاف يجب أن يدار على قاعدة صون وحدة «م.ت.ف.» تماسكها والدفاع عن دورها التمثيلي، وهذا مسؤولية الجميع باحترام قواعد الائتلاف الوطني والالتزام بقرارات المؤسسات الشرعية والكف عن خرقها وتجاهلها.

2-   استمرار التشديد على حضور القدس في جميع مراحل المفاوضات بصفتها جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة ينطبق عليها ما ينطبق على سائر الأراضي المحتلة سواء في الترتيبات الانتقالية أو في الوضع النهائي.

3-  النضال من أجل ضمان الترابط بين مراحل الحل، والإصرار على أن يرتبط أي اتفاق على التسوية بالتزام إسرائيلي واضح ومضمون دولياً، بالانسحاب الكامل وفقاً لجدول زمني محدد وتطبيق حق تقرير المصير بما في ذلك الاستقلال، إن التخلي عن هذا المطلب يعني التسليم بتكريس الاحتلال والاكتفاء بالحكم الذاتي سقفاً أعلى للحل، وعلى «م.ت.ف.» أن تعلن أنها لن توافق على تطبيق أية ترتيبات انتقالية ولن تسمح بها ما لم تكن مرتبطة بخطة شاملة مجدولة زمنياً لتطبيق الانسحاب وممارسة حق تقرير المصير، إن ترتيبات انتقالية مؤقتة مع ارتباطها بجدول زمني للانسحاب الكامل، يجب أن تضمن حق الشعب الفلسطيني عبر انتخابات ديمقراطية حرة بما فيها القدس، في السيطرة على أرضه ومياهه وموارده الطبيعية وحقه في تولي السلطة التشريعية والتسيير لكافة مجالات حياته تحت إشراف دولي مؤقت لحين ممارسة حقه الكامل في تقرير المصير، لقد أدت سياسة القيادة المتنفذة في «م.ت.ف.» في قبول الحل الانتقالي دون ربطه بالحل النهائي إلى تسديد طعنة موجعة للانتفاضة، وتمزيق الصف الوطني الفلسطيني، وفقدان الشعب الفلسطيني أبرز أسلحة الضغط وعناصر القوة، وفتح الطريق للتطبيع العربي-الإسرائيلي القائم على الحلول الجزئية والمنفردة، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وولد ظروفاً تمكن اسرائيل من فرض الأمر الواقع وتكريس الاحتلال وتحويل الحل الانتقالي المزعوم إلى الجزء الرئيسي من الحل النهائي.

4-  مواصلة العمل من أجل تنسيق وتوحيد الموقف العربي على قاعدة الربط بين المسارات الثلاث، ربط مستقبل العلاقات العربية-الإسرائيلية بمصير الأرض المحتلة والحقوق الفلسطينية، ومواجهة ضغوط واشنطن لإبرام اتفاقيات تطبيع بمعزل عن التقدم في مسار المفاوضات الثنائية، إن إصرار واشنطن على رفض الربط بين مسارات الحل الثلاثة (المفاوضات الثنائية بين اسرائيل ودول الطوق ، المفاوضات الثنائية الفلسطينية الإسرائيلية، المفاوضات العربية-الإسرائيلية المتعددة الأطراف) هو في جوهره إصرار على تطبيع العلاقات العربية-الإسرائيلية بمعزل عن قضية الأرض والحقوق الفلسطينية، ويصطدم هذا ليس فقط بمصالح الشعب الفلسطيني بل أيضاً بمصالح دول عربية أخرى لها أراض محتلة.

5-  فرض مسألة اللاجئين الفلسطينيين على جدول أعمال المفاوضات باعتبارها عنصراً رئيسياً من عناصر القضية الفلسطينية وجانباً عضوياً من جوانبها، إن الخطة الأميركية التي انعقد على أساسها مؤتمر مدريد وامتدادها، تدرج مسألة اللاجئين في نطاق المفاوضات المتعددة الأطراف بين الدول العربية وإسرائيل، وهذا يشكل تجزئة لقضية الشعب الفلسطيني ووحدته، ويحدد سلفاً مضمون الحل لمسألة اللاجئين وبمعزل عن القرار 194 ضمن سقف التوطين والتأهيل.

6-  تعزيز التنسيق والعمل المشترك مع جميع القوى المناضلة ضد الاحتلال والمناهضة للمخطط الأمريكي-الإسرائيلي على أساس القواسم المشتركة، وبلورة خطة عمل مشتركة واقعية ومتوازنة تقطع الطريق فعلاً على مخطط كامب ديفيد جديد، على قاعدة التمسك بالوحدة الوطنية والدفاع عن دور منظمة التحرير الفلسطينية، والنضال من أجل إعادة صوغ مؤسساتها على أسس ديمقراطية تكفل المشاركة في صنع القرار الوطني وضمان الالتزام به.

7-  السعي وتكثيف الجهود من أجل توفير حد أدنى من وحدة الموقف العربي تضمن الدفاع عن المصالح والحقوق العربية المشتركة وقطع الطريق على أي تنازل عنها، ومواجهة المحاولات الأمريكية-الإسرائيلية الهادفة إلى فرض الحلول الجزئية والمنفردة عبر الإصرار على الفصل بين مسارات عملية السلام.

والعمل على تعزيز العلاقات مع قوى التحرر العربية لاستنهاض دورها في تعبئة جماهير الشعوب العربية وتصعيد نضالها من أجل ضمان التزام الدول العربية بالثوابت القومية والوطنية ورفض تطبيع العلاقات العربية-الإسرائيلية بمعزل عن قضية الأرض والحقوق الفلسطينية، ودون الوصول إلى حل شامل ومتوازن يبادل السلام بالانسحاب الإسرائيلي الكامل طبقاً لقرارات الشرعية الدولية.

8-  تكثيف الصلات مع الأحزاب والقوى الصديقة على الصعيد الدولي، للتعاون معها من أجل تعزيز الالتزام الدولي بقرارات الشرعية الدولية والعمل على تطبيقها بما يضمن نيل الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.

9-  إيلاء الأولوية في توجيه جهود وإمكانيات «م.ت.ف.»، وسائر القوى الوطنية نحو حل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، وتأكيد اعتماد الأسس الجبهوية في تشكيل المؤسسات المعنية بهذا الشأن داخل الوطن وخارجه، بحيث تضم جميع القوى الوطنية والأطر الجماهيرية والاجتماعية.

10-                     استنهاض قوى الانتفاضة والطاقات النضالية الزاخرة التي ما تزال تختزنها الحركة الجماهيرية وتأطير استعداداتها الكفاحية المتقدمة بما يمكّن من تجديد زخمها واستعادتها زمام المبادرة في الصراع مع العدو واستئناف تكتيكاتها النضالية، يتطلب معالجة معضلاتها التنظيمية بما يكفل تعزيز طابعها الديمقراطي الجماهيري المنظم، باعتبارها عنصر القوة الرئيسي لحركتنا الوطنية في مجابهة الاحتلال ومفاقمة أزمته، وإعادة تأكيد الإجماع الوطني الشامل على ضرورة استمرار الانتفاضة والدفاع السياسي عن حقها في الاستمرار حتى تحقيق هدفها المركزي في إنهاء الاحتلال بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، ونيل حق شعبنا في تقرير المصير والدولة المستقلة والعودة، إن الانتفاضة لم تندلع من أجل الحكم الذاتي، لقد اندلعت من أجل الجلاء الكامل والاستقلال، وعلى القوى الوطنية أن تتحلى بأعلى درجات اليقظة إزاء المناورات التي تدعو إلى تهدئة الانتفاضة، أو التخلي عن بعض مظاهرها أو تكتيكاتها، إن هذه الدعوات توازي الدعوة إلى وقف الانتفاضة بالتقسيط، إن استمرار الانتفاضة وتصعيدها يتطلب الحفاظ على وحدة القوى الوطنية وتحييدها بعيداً عن الخلافات السياسية، ببذل كل الجهود من أجل الحيلولة دون تفتيت الصف الوطني في النضال الميداني المشترك ضد الاحتلال، ومن أجل تفادي ولجم الميل للاقتتال الداخلي وإدارة الصراع السياسي بين صفوف الجماهير بالوسائل الديمقراطية بعيداً عن أساليب العنف، واعتماد ميثاق شرف لتنظيم العلاقات بين القوى الوطنية والإسلامية، وبينها وبين جماهير الشعب، ووضع الآليات المناسبة لتنفيذ بنود هذا الميثاق يقوم على احترام التعددية ورفض الهيمنة والوصاية من أي طرف، بإطلاق حركة جماهيرية للحوار الشعبي حول مستقبل الانتفاضة وسبل النهوض بها وتواصلها وصوغ برنامجها المعبر بدقة عن المصالح الملحة لأوسع طبقات الشعب وشرائحه الاجتماعية، ويربطها ربطاً محكماً بهدف الانتفاضة المركزي في طرد الاحتلال وانتزاع الاستقلال، برنامج يبتعد عن الخضوع لاتجاهات خاطئة في فهم دور الانتفاضة وآفاقها ومعالم استراتيجيتها النضالية، ومنها هذه الاتجاهات الثلاث:

الاتجاه الأول: الاتجاه البرجوازي المحافظ: يتبنى إزاء الانتفاضة موقفاً استعمالياً محضاً، ويرى فيها مجرد ورقة ضغط تكتيكية لتحسين مكانته في إطار تحالفاته العربية ومواقعه الإقليمية والدولية ولتحريك مساعي الحل السياسي، ويفتقر هذا الاتجاه إلى الثقة بطاقات الجماهير المنتفضة أو بقدرة الانتفاضة على الاستمرار والتصاعد حتى انتزاع الاستقلال، يبدو ممثلو هذا الاتجاه قلقين ومترددين إزاء المهمات التي تكفل تجذير الانتفاضة وتعميق طابعها الجماهيري الديمقراطي، ويخشون انعكاساتها على النفوذ الاجتماعي للشرائح الطبقية التي يعبرون عن مصالحها، وفي الممارسة العملية يميل هذا الاتجاه إلى كبح مسيرة الانتفاضة وتقنين وتيرتها وإخضاعها لمتطلبات التحرك السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية بدل أن يكون هذا التحرك موظفاً في خدمة تعزيز قوى الانتفاضة وتجسيد أهدافها.

الاتجاه الثاني: يتعاطى مع الانتفاضة كما لو كانت هدفاً قائماً بذاته، لا باعتبارها سبيلاً نضالياً لإحراز أهداف سياسية، يقيم هذا الاتجاه تعارضاً مصطنعاً بين تصعيد الحركة النضالية للانتفاضة على الأرض وبين ضرورة بلورة برنامج وخط سياسي واقعي يكرس منجزات الانتفاضة ويجسد آفاقها بوضوح، ويعزز فعلها في المجالين العربي والدولي وداخل اسرائيل، وهو يهمل استكشاف القوانين الموضوعية لتطور مسيرة الانتفاضة، ويسعى إلى استباقها والقفز عنها انطلاقاً من نزعة إرادوية تشتق تكتيكاتها النضالية من فورات الحماس والرغبات الذاتية بديلاً عن التحليل الدقيق لنسبة القوى الواقعية في الصراع مع العدو.

الاتجاه الثالث: اتجاه البرجوازية الوطنية والوسطى: الذي يتسم بالتردد والتذبذب ويربك الانتفاضة، يؤيد من جهة أهداف الانتفاضة في الخلاص من الاحتلال، ومن جهة أخرى يخشى تفاقم حدة المواجهات مع الاحتلال وانعكاساتها على مصالحه المباشرة، وتتسم مواقفه بالدعوة إلى تجنب العنف والاكتفاء بالاحتجاج السلمي والمقاومة السلبية.

إن التقييم النقدي لمسيرة الانتفاضة واستخلاص الدروس يقودنا إلى بلورة الاتجاهات العامة للبرنامج النضالي الهادف إلى استنهاضها وتجديد زخمها واستئناف مسيرتها الصاعدة، وفق العناوين الثلاثة التالية:

أولاً: تعميق الطابع الجماهيري الديمقراطي المنظم للانتفاضة بحيث يتم تعبئة طاقات وإمكانيات الشعب من أجل حل مشكلاتها بنفسها وتنظيم الحياة اليومية للمجتمع بمعزل عن سلطات الاحتلال، لفصم روابط التبعية القائمة بين المجتمع الفلسطيني وبين الاحتلال، وإرساء اللبنات الأساسية للاستقلال الوطني، إن النهوض بهذه المهمة يتطلب:

1-  استئناف عملية بناء اللجان الشعبية ونشرها في كل المواقع وتطوير وظائفها.

2-  تجديد بنية المنظمات النقابية والاجتماعية والقطاعية وتوحيدها وتعزيز صلتها الديمقراطية بجمهورها والارتقاء بدورها في حل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية للجماهير.

3-  استكمال تشكيل أو إحياء المجالس العليا القطاعية والمتخصصة في مجالات محددة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتربوية، وتفعيل دورها.

4-  استكمال بناء القيادات الموحدة وتطوير صلة التفاعل الحي والديمقراطي بينها وبين القيادة الموحدة المركزية، والسعي إلى استيعاب جميع القوى والفعاليات الوطنية الفاعلة محلياً ضمن إطارها بحيث لا تقتصر على الفصائل الممثلة مركزياً في القيادة الوطنية الموحدة.

5-  صون وحدة القيادة الوطنية الموحدة والنهوض بدورها، إن أساس التحالف في إطار القيادة الوطنية الموحدة يقوم على قاعدة برنامج متكامل للإجماع الوطني، جوهرها وأساسها النضال ضد الاحتلال واستمرار الانتفاضة، وانخراط بعض القوى في مسيرة مدريد وفق الشروط المسبقة الأمريكية-الإسرائيلية، يضعف بلا شك وحدة وتماسك الصف الوطني المناهض للاحتلال، ويدخل تعديلاً جوهرياً على طبيعة العلاقات بين الأطراف في القيادة الوطنية الموحدة كما على وظائفها، وأدى إلى اصطفاف جديد في الخارطة الطبقية والسياسية في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، وإلى الانقسام السياسي، ومحاولات السعي إلى تشكيل أطر ترفع راية دعم عملية مسيرة السلام بديلاً للأطر الوطنية الموحدة للانتفاضة.

إن العمل على الارتقاء بدور القيادة الوطنية الموحدة في قيادة وتوجيه المجابهة مع الاحتلال كما في تنظيم الحياة اليومية للمجتمع كنواة قيادية مركزية لسلطة الشعب يتطلب تطوير آلية عمل القيادة الموحدة بحيث تتحول من لجنة تنسيق فضفاضة إلى هيئة أركان دائمة، وحل المشكلات العملية والأمنية التي تكفل هذا التحول، والارتقاء بمستوى تمثيل الفصائل في القيادة الموحدة، وتقليص الفترة الزمنية الفاصلة بين نداءاتها، والارتقاء بمضمون هذه النداءات، وإخراجها من دائرة الرتابة والروتين، وتعميق تناولها لمختلف قضايا المجتمع، وطرح الحلول والتوجهات لمعالجتها، وتفعيل الصلة الحية بين القيادة الوطنية الموحدة وبين سائر هياكل وأطر الانتفاضة بحيث تأتي قراراتها لتعكس ليس فقط وجهات نظر قيادات الفصائل، بل أيضاً المقترحات والهموم التي تطرحها المجالس القطاعية والوظيفية والأطر القاعدية للانتفاضة.

ثانياً: مراجعة التكتيكات النضالية للانتفاضة والعمل على استعادة زمام المبادرة الهجومية في الصراع مع العدو، لقد استغلت سلطات الاحتلال المناخات الانهزامية التي تشيعها وتروّج لها بعض الأوساط البرجوازية والعناصر القيادية المنخرطة في عملية التسوية، فطورت هجومها المضاد الذي اتخذ اتجاهات ثلاث: 

الأول: العمل على تصفية ما تسميه سلطات الاحتلال بالنواة الصلبة للانتفاضة من خلال تصعيد القمع وحملات الاعتقال الجماعي والنشاط الإجرامي لفرق الموت الخاصة التي تعمل على ملاحقة وتصفية المطلوبين والمطاردين.

الثاني: شن حرب نفسية شاملة لنشر المناخات الانهزامية في محاولة لعزل الجمهور عن النواة الصلبة للانتفاضة.

الثالث: استغلال الصعوبات التي تعاني منها جماهير الانتفاضة بهدف العمل على تشجيع التعاون بين فئات من السكان وبين أجهزة الحكم العسكري، ومحاولة تطبيع الحياة اليومية في المناطق المحتلة، إن مجابهة الهجمة المضادة الإسرائيلية تتطلب بالضرورة إجراء مراجعة نقدية للتكتيكات النضالية للانتفاضة تمكنها من استعادة زمام المبادرة الهجومية، ولكن ينبغي التمييز بين الحاجة إلى مراجعة التكتيكات بهدف تبين الوسائل الأكثر فاعلية لاستئناف الهجوم، وبين الاتجاهات الانهزامية التي تدعو إلى التراجع عن استراتيجية الانتفاضة وتشكك بجدواها كخيار نضالي.

إن عملية المراجعة يجب أن تنطلق من مقاييس ثلاث:

–       مدى انسجام التكتيك مع الاستراتيجية العامة للانتفاضة وخدمته لها.

–       درجة التأثير التي يلحقها التكتيك بالعدو في مضمار رفع الكلفة المادية والمعنوية لاستمرار الاحتلال.

–       مدى انعكاس التكتيك على مصالح الجماهير وحجم الصعوبات الناشئة عنه.

انطلاقاً من هذه المقاييس والاعتبارات يمكننا بلورة بعض التوجهات الأولية التي ينبغي إخضاعها للمزيد من الحوار بهدف تدقيقها وإنضاجها بصيغتها النهائية:

–       تحديد موقف واقعي واضح إزاء أشكال المقاطعة لأجهزة الإدارة المدنية، والتمييز بين الأشكال التي لها مغزى سياسي في رفض التعاون معها، وبين أشكال المقاطعة ذات الدلالة الرمزية المحضة والتي تنعكس بشدة على الحياة اليومية للجماهير.

–       توفير المستلزمات المادية والتنظيمية اللازمة لوضع شعار مقاطعة العمل في المستوطنات موضع التطبيق الشامل، وخصوصاً في ظروف استفحال البطالة وتدني قدرة المؤسسات الوطنية على استيعاب العاطلين عن العمل.

–       التمسك بحزم بالتكتيكات النضالية التي أصبحت تشكل أبرز المظاهر التقليدية للانتفاضة التي تؤثر بشكل محدود على المصالح المباشرة، وفي مقدمتها الإضراب التجاري الجزئي، والإضراب العام المتقطع …

–       التمسك بحزم بسياسة المقاطعة التجارية للبضائع الإسرائيلية، فهي لا تؤثر فقط على مصالح العدو بل وتشكل رافعاً رئيسياً لانتعاش العديد من المؤسسات الوطنية.

–       العصيان الضريبي في مواجهة سياسة النهب التعسفي الإسرائيلية.

ثالثاً: معالجة الصعوبات الاقتصادية الاجتماعية المتفاقمة وترشيد سياسة الدعم المادي للداخل وتنقية قنواته، باعتماد نهج الاعتماد على الذات، وتعميقه من خلال تشجيع وتنظيم عملية التعاون والتكافل الاجتماعي، والنظر إلى المساعدات الخارجية كعامل مساعد ثانوي.  

إننا على مفترق طرق حاسم، يتوقف على المسار الذي تتخذه الحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف فصائلها، باستثمار عناصر القوة في الموقف الفلسطيني والسعي لاستنهاضها، أو إمكانية الانزلاق نحو مزيد من التردي والتبديد لوحدة هذا الشعب ومنجزات ثورته وانتفاضته الباسلة، هذا الوضع الجديد، بأهم سماته انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو أقصى درجات التطرف، يملي على جميع القوى الفلسطينية التبصر في حقائقه ، وأن تسارع إلى السمو فوق الخلافات وتجاوز الخندقة وراء المواقف المسبقة، ما يمكنها من استخلاص استراتيجية موحدة صائبة تقود الشعب الفلسطيني إلى بر الأمان، إن الشرط الأساسي لاجتياز هذا المنعطف بنجاح هو تعزيز الوحدة الوطنية على قاعدة خطة وطنية شاملة تجابه الوضع الجديد ودرء مخاطره بسياسة واقعية صائبة توسع الآفاق التي يفتحها باتجاه حل يحفظ الحقوق الوطنية الفلسطينية.

إن قدرة الانتفاضة على استنهاض الدعم الخارجي وترجمته إلى مكاسب سياسية تتوقف لا على الانسياق وراء الاملاءات الأمريكية ولا على التملق للرأي العام الإسرائيلي والغربي والإفراط في إبداء حسن النوايا تجاهه، بل على انتهاج خط سياسي واضح واقعي وحازم، خط سياسي يقول للإسرائيليين والأمريكان وللعالم كله: نعم للسلام ولكن على أساس الاستقلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى