تقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

دايلي ميل: سياسة الاحتلال تهدف لتهجير مسيحيي فلسطين ونهب ممتلكاتهم

“القدس العربي”: قالت صحيفة “دايلي ميل” البريطانية إن المسيحيين الفلسطينيين في الأرض المقدسة، في مدينتي القدس وبيت لحم، يطالبون بالمساعدة مع استمرار تضاؤل ​​أعدادهم، ويواجهون التمييز والصعوبات الاقتصادية.

وأجرت الصحيفة مقارنة بين مسيحيي بريطانيا، الذين يتطلعون إلى عيد الميلاد على الرغم من أزمة غلاء المعيشة والفوضى، التي سببتها الإضرابات، وبين مسيحيي القدس المحتلة، الذين بدأ اعتناقهم المسيحية قبل 2000 عام، والذين يقاسون جميع أنواع المعاناة، وفقا لوكالة “معا”.

وأشارت الصحيفة إلى أن المسيحيين في القدس، والبالغ عددهم 31000 عام 1948، كانوا يشكّلون 20% من السكان، بينما يبلغ عددهم 10000 فقط الآن، أي أقل من 2% من عدد الفلسطينيين، لافتة إلى أن الأرقام آخذة في الانخفاض.

وبحسب “دايلي ميل”، “يتم البصق على رجال الدين وهم يقودون مواكب إلى كنيسة القيامة المقدسة، المبنية على موقع قبر يسوع الشهير، وتتعرض كنائس أخرى للهجوم من مثيري الحرائق” من جانب الاحتلال الإسرائيلي.

ووقعت حادثة من هذا النوع عندما بصق جنود إسرائيليون، من لواء “غفعاتي”، على رجال دين مسيحيين رفيعي المستوى، وعلى الصليب الذي يحملونه، خلال مسيرة عيد الصليب في القدس المحتلة.

وروى رجل دين رفيع من الكنيسة الأرمنية أن قوات الاحتلال “بصقوا عليه وعلى الصليب الذي يحمله”، وهو يستذكر لحظات من المسيرة الاحتفالية التي نُظِّمَتْ الشهر الماضي، والتي تحوّلت، بحسب كلامه، إلى “مسيرة إهانة وانفعال”.

وأكّدت الصحيفة أن “المستوطنين قادوا عمليات الاقتحام في الحي المسيحي، والتي تجلت مؤخراً بالاستيلاء على دار ضيافة ليتل بترا، التي احتُلت بصورة غير قانونية في نيسان/أبريل الجاري، وهي في طور التجديد وتجريدها من جميع علامات استخدامها السابق”.

ويرى السياح الذين يأتون إلى القدس المحتلة مؤشرات على التحديات التي يواجهها المسيحيون الفلسطينيون، وعلامات التوتر موجودة في كل مكان.

ففي جبل صهيون، تقول الصحيفة إن “هناك كنيسة أرثوذكسية يونانية يعتقد بعض المسيحيين أنها كانت تُستخدم من أتباع يسوع الأوائل، تحتاج إلى الحماية بواسطة القضبان والأسوار، واستُهدفت مراراً وتكراراً من جانب المخربين” من المستوطنين.

وفي حزيران/يونيو الماضي، تم اختراقها من قبل أعضاء جماعة تابعة للاحتلال الإسرائيلي، زُعم أنهم قالوا لحارس الأمن: “نحن نعلم أين تعيش وسوف نقتلك”. كذلك هاجمت الجماعة مجموعة من الكهنة الأرمن، الأمر الذي أدى إلى نقل أحدهم إلى المستشفى في أيار/ مايو من العام الماضي.

في المقابل، وعلى الرغم من تعسف الاحتلال الاسرائيلي، الذي يمنع، كما في كل عام، المئات منهم من السفر إلى الضفة والقدس المحتلتين، يُحْيي المسيحيون في غزة احتفالات الميلاد المجيد بإضاءة شجرة عيد الميلاد.

الوجود المسيحي في فلسطين

وأشارت تقديرات إلى أن “أعداد الفلسطينيين المسيحيين وصلت إلى 2.3 مليون نسمة، أغلبيتهم المطلقة تقيم خارج فلسطين”.

وباتت نسبة المسيحيين في الأراضي الفلسطينية لا تتجاوز 1%، بعد أن كانوا يشكلون قبل النكبة عام 1948 نحو 11.2%، والسبب الرئيس في هذا الانخفاض هو سياسة الاحتلال الإسرائيلي في تهجيرهم من أرضهم.

ويعيش 45 ألف مسيحي في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، موزعين بين الضفة الغربية التي يقطنها 40 ألفاً، وقطاع غزة الذي يقطنه 850 مسيحياً، والقدس المحتلة التي تضم أقل من 4 آلاف منهم، في حين تظهر أحدث التقديرات أن نسبتهم لا تتجاوز 0.60% من مجموع الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية.

ويتركز وجود المسيحيين الفلسطينيين في مدن بيت لحم والقدس والناصرة ورام الله وحيفا ويافا وبيرزيت وعدة قرى في الجليل الأعلى شمالي فلسطين.

وبحسب بيان سابق للأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية، حنا عيسى، فإن من بين الفلسطينيين الذين تعرضوا للتهجير وعاشوا تجربة اللجوء، ما بين 40 و50 ألفاً من المسيحيين العرب، الذين كانوا يشكّلون أكثر من ثلث السكان المسيحيين في فلسطين عام 1948.

ويقول عيسى إن عدد السكان المسيحيين كان يتجاوز 30 ألف مسيحي في القدس عام 1944، ثم تراجع عددهم بالتدريج ليصبح اليوم أقل من 5 آلاف نسمة.

خلال كلمته بمناسبة عيد الميلاد..

الرئيس عباس: يمضي العام بعد أن جاءت حكومة إسرائيلية شعارها التطرف والتمييز العنصري

أمد/ بيت لحم: أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، على رفض الشعب الفلسطيني ممارسات الاحتلال باستهداف الوجود المسيحي في فلسطين، الذي هو جزء لا يتجزأ من نسيج الشعب الفلسطيني الذي سنواصل المحافظة عليه.

وقال عباس خلال مشاركته، مساء يوم السبت، بمأدبة العشاء الميلادي التي نظمتها حراسة الأراضي المقدسة على شرفه، لمناسبة عيد الميلاد المجيد، “يمضي هذا العام بعد أن جاءت حكومة إسرائيلية شعارها التطرف والتمييز العنصري (الأبرتهايد).”

وهنأ عباس في كلمة ألقاها بمناسبة عيد الميلاد المسيح، الشعب الفلسطينيبميلاد المسيح عليه السلام، رسول السلام والمحبة الذي ولد في مغارة بيت لحم، في المكان من أرض فلسطين المقدسة.

وقال عباس، أن هذه المناسبات تُدخل البهجة والتسامح لكل بيت فلسطيني، وهي أيضاً رسالة أمل ومحبة وسلام، لا زال الشعب الفلسطيني يحافظ على إرثها الحضاري والإنساني العظيم، ويجدد إرسالها في كل عام من فلسطين لملايين المؤمنين حول العالم.

وأشاد عباس، بهذه المناسبة، بمواقف رؤساء الكنائس، ورجال الدين المسلمين، وجماهير شعبنا كافة، في الدفاع عن هوية وطابع مدينة القدس، بمقدساتها المسيحية والإسلامية.

وفيما يلي نص كلمة الرئيس التي ألقاها خلال مأدبة العشاء الميلادي:

غبطة البطريرك بيتسابالا

الأب باتون، حارس الأراضي المقدسة

معالي الأخ توفيق كريشان، النائب الأول لرئيس الوزراء الأردني، ممثل جلالة ملك المملكة الأردنية الهاشمية.

أصحاب المعالي والسعادة، أيها الإخوة والأخوات

كل عام وأنتم بخير.. نهنئكم ونهنئ شعبنا بميلاد المسيح عليه السلام، رسول السلام والمحبة الذي ولد في مغارة بيت لحم، في هذا المكان من أرض فلسطين المقدسة. كما ونهنئكم برأس السنة الميلادية الجديدة 2023، وهي مناسبات دينية ووطنية، تُدخل البهجة والتسامح لكل بيت فلسطيني، وهي أيضاً رسالة أمل ومحبة وسلام، لا زال شعبنا الفلسطيني يحافظ على إرثها الحضاري والإنساني العظيم، ويجدد إرسالها في كل عام من فلسطين لملايين المؤمنين حول العالم.

وبهذه المناسبة، نهنئ قداسة البابا فرنسيس، وجميع الطوائف والمؤمنين حول العالم وأبناء شعبنا بالميلاد وفق التقويم الغربي.

نحتفل اليوم، ونحن نواجه المحتلين، بوحدتنا وتمسكنا بثوابتنا الوطنية، وصمودنا على أرضنا. وفي هذا الصدد، فإننا لن نقبل بمواصلة ممارسات الاحتلال باستهداف الوجود المسيحي في فلسطين، الذي هو جزء لا يتجزأ من نسيج شعبنا الذي سنواصل المحافظة عليه.

ونشيد بهذه المناسبة، بمواقف رؤساء الكنائس، ورجال الدين المسلمين، وجماهير شعبنا كافة، في الدفاع عن هوية وطابع مدينة القدس، بمقدساتها المسيحية والإسلامية.

يمضي هذا العام، أيها الإخوة والأخوات، ويرتقي معه إلى العلى القدير ثلة من الشهداء الأطهار:

الأخ القائد المؤسس سليم الزعنون عضو اللجنة المركزية ورئيس المجلس الوطني، وأحد الذين أصدروا قرار الانطلاقة.

الأخ القائد جمال محيسن عضو اللجنة المركزية.

ابنة القدس وفلسطين الشهيدة شرين أبو عاقلة التي اغتالها جيش الاحتلال الإسرائيلي بلا رقيب ولا حسيب.

الأخت المناضلة فاطمة برناوي أول أسيرة فلسطينية في معتقلات الاحتلال.

الشهيد الأسير ناصر أبو حميد، بعد أن قضى أكثر من ثلاثين عاماً في معتقلات الاحتلال الإسرائيلي، وتعرض للقتل البطيء من خلال الإهمال الطبي المتعمد من سلطات الاحتلال.

يمضي هذا العام ويرتقي معه 224 شهيداً، منهم عشرات الأطفال.

يمضي هذا العام ولا يزال يقبع في مقابر الأرقام وفي ثلاجات الاحتلال 374 من شهدائنا الذين تحتجز سلطات الاحتلال جثامينهم، ومنهم الشهيد الأسير ناصر أبو حميد.

يمضي هذا العام بعد أن جاءت حكومة إسرائيلية شعارها التطرف والتمييز العنصري (الأبرتهايد).

يمضي هذا العام وقد عقدت فيه قمة عربية ناجحة في الجزائر، وكذلك قمة عربية صينية تاريخية وناجحة في الرياض.

يمضي هذا العام ومعه دورة جديدة من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا تزال قراراتها التي تزيد عن الألف بشأن فلسطين تنتظر التنفيذ.

يمضي هذا العام وقد نجحت فيه دولة قطر الشقيقة في تنظيم أفضل مونديال حتى الآن، هذا المونديال الذي كان بحق مونديال فلسطين، التي حضرت بقوة رغم أنها لم تشارك.

يمضي هذا العام، وقد نجحت فيه الرواية الفلسطينية في الحضور بقوة في إظهار الحق الفلسطيني في مختلف الميادين في مواجهة الرواية الصهيونية الزائفة.

تحضر الرواية الفلسطينية بقوة في أمريكا بفضل النجاح اللافت الذي يحققه المجلس الفلسطيني الأمريكي في فرض روايتنا على المشهد الأمريكي، وما تقوم به شرائح عديدة بما فيها الجامعات والكنائس، ومؤيدو الحق الفلسطيني من المحبين للسلام وأصحاب الضمائر الحية.

كما تحضر الرواية الفلسطينية في المشهد الدولي، لتعتمد الأمم المتحدة قراراً بإحياء الذكرى 75 للنكبة في 15/5/2023 في قاعة الجمعية العامة.

يمضي هذا العام ومعه ينشر فيلم الطنطورة، الذي يروي بالوثائق، حقائق عن المذابح التي ارتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين، وبشهادة مرتكبيها أنفسهم.

يمضي هذا العام وقد زار الرئيس الأمريكي بايدن البلاد، وقدم وعوداً للأسف لم يتحقق منها شيء، في ظل ما نشهده من ازدواجية للمعايير تحرم شعبنا من حقوقه المشروعة ونيل حريته واستقلاله.

لكن أيضا… يمضي هذا العام ونستقبل عاماً جديداً،  ونحن أكثر صموداً وأكثر إصراراً على البقاء في أرضنا، والتخلص من الاحتلال وإقامة دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس، وسوف ننتصر بإذن الله.

وبالرغم من كل ما نتعرض له من ظلم وعدوان، فإن رسالتنا للعالم تبقى رسالة أمل ومحبة وسلام.

مرة أخرى، كل عام وأنتم بخير، مع خالص الأمنيات، أن يعيد الله هذه الأيام على شعبنا ووطننا وقد تحققت أمانينا بالحرية والاستقلال والسلام العادل والشامل.

استنفار دبلوماسي إسرائيلي لمنع قرار أممي ضد الاحتلال

عربي 21

كشفت أوساط سياسية ودبلوماسية إسرائيلية، أن رئيس الوزراء المكلف بنيامين نتنياهو انضم للجهود الجارية ضد المبادرة الفلسطينية للحصول على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية في لاهاي.

وتحدث نتنياهو مع سبعة من قادة العالم، فيما أجرى رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ محادثات مع عدد آخر منهم، كما أرسل رئيس الحكومة يائير لابيد عشرات الرسائل، بينما تحاول وزارة الخارجية إقناع دول أخرى بالتصويت ضد الاقتراح الفلسطيني.

يتزامن الاستنفار الإسرائيلي مع قرب تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأيام المقبلة على اقتراح الفلسطينيين، بمطالبة محكمة العدل الدولية في لاهاي برأي استشاري حول شرعية الاحتلال الإسرائيلي.

ويعتمد الموعد المحدد للتصويت على مناقشات لجنة الميزانية التابعة للأمم المتحدة، فيما تواصل وزارة خارجية الاحتلال العمل مع 80 إلى 100 دولة في العالم لإقناعهم بمعارضة الاقتراح، أو على الأقل تجنبه، أو الغياب عن التصويت.

إيتمار آيخنر المراسل السياسي لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، كشف أن “هرتسوغ أجرى محادثات مع عدد من قادة العالم، وبناء على طلب سفير الاحتلال لدى الأمم المتحدة غلعاد أردان، فقد تدخل نتنياهو في الحملة، واتصل مع 6-7 قادة، معظمهم من القارة الأفريقية، في محاولة إقناعهم بالاعتراض، أو الامتناع عن التصويت، وبعث لابيد برسالة إلى 60 من قادة الدول، فيما انضمت الولايات المتحدة للحملة الإسرائيلية، وتعمل على إقناع الدول والأطراف الدولية بعدم تأييد الاقتراح الفلسطيني”.

وأضاف في تقرير، أن “مسؤولين سياسيين إسرائيليين زعموا أن هناك فرصة لزيادة عدد الأصوات المعارضة للاقتراح في التصويت، مقارنة بالتصويت الذي جرى في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة في نوفمبر، حيث أيد الفلسطينيين 98 دولة، وعارضهم 17، وامتنعت 52 دولة عن التصويت، معتبرين أن التصويت المقبل جزء من حملة فلسطينية أوسع لمحاولة تجريم “إسرائيل”، وتصويرها كدولة فصل عنصري، والتركيز على ما هو سيئ فيها، ويحاولون إحداث نشاط على الساحة الدولية”.

وتعتبر الأوساط الإسرائيلية أن التصويت بمنزلة تحد كبير لها، ومن المهم للاحتلال الحصول على معارضته، أو عدم دعم أكبر عدد ممكن من الدول، خاصة الدول المؤثرة، مع أنه من السابق لأوانه تقييم تأثير الفتوى القانونية المطلوبة، وهذا يعتمد على كيفية التحقق من ذلك من قبل الدول والمنظمات والرأي العام، والوضع على الأرض. أما فيما يتعلق بالإجراءات، فسيستغرق الأمر من عام إلى عامين حتى تنشر المحكمة رأيها القانوني.

ورغم أن الفتوى القانونية لا تلزم الاحتلال الإسرائيلي من وجهة نظر رسمية، لكنه يدرك تماما أنه أمام قرار سياسي أكثر من كونه رأيا قانونيا، ولذلك من المتوقع أن يكون تصرفه إزاء المحكمة الدولية، منسجما مع توجهات وقرارات المستوى السياسي الذي يميل أكثر لمقاطعتها، كما جرت العادة في مناسبات سابقة.

في جبهة مواجهة أخرى مع الأمم المتحدة، شنت محافل دبلوماسية إسرائيلية هجوما على مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط تور فانسلاند؛ بزعم رفضه تصنيف عدد من الإسرائيليين بأنهم قتلى في عمليات فدائية فلسطينية، حيث حذف 12 اسما في تغريدة نشرها على حساب الأمم المتحدة باللغة العبرية.

صحيفة “يديعوت أحرونوت”، ذكرت في تقرير لها، أنه “منذ بداية 2022 قُتل 31 إسرائيليا، مستوطنا وجنديا، في هجمات فدائية فلسطينية، لكن تقريرا قدمه فانسلاند إلى مجلس الأمن الدولي أورد فيه أنه خلال الفترة المذكورة، “قُتل أكثر من 20 إسرائيليّا”، مستندا لوكالة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA التي تدعي أن ظروف مقتل 12 إسرائيليا آخرين محل نزاع، ومتنازع على حقيقة رواية مقتلهم، أو لم يتم القبض على الفاعلين، رغم أنه من الواضح أنها هجمات فلسطينية”.

وأضافت أنه من “الغريب أن فانسلاند لم يشر أيضا أن من بين 150 فلسطينيّا استشهدوا منذ بداية هذا العام، 80٪ منهم على الأقل مسلحون، بل يقدم للمجتمع الدولي واقعا يعتبر الفلسطينيين الذين قُتلوا مواطنين أبرياء، ورغم مطالبة سفير الاحتلال لدى الأمم المتحدة غلعاد إردان من وكالة أوتشا بتصحيح البيانات، وتصنيف الإسرائيليين المقتولين كضحايا للعمليات الفلسطينية، لكن نداءاته قوبلت بتجاهل تام”.

بن شبات يحذر من ضعف تركيبة “الكابينت” الجديد برئاسة نتنياهو

القدس المحتلة/سما/

حذر رئيس هيئة الأمن القومي الإسرائيلي السابق، مئير بن شبات، من ضعف وعدم نجاعة تشكيلة مجلس الوزراء الإسرائيلي المُصغّر، للشؤون الأمنية والسياسية المعروف بـ”الكابينت”، في حكومة الاحتلال الإسرائيلي الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو.

وقال بن شبات في مقاله بصحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية إن “مكانة هذا الجسم وتأثيره في مواضيع محملة بالمصائب لإسرائيل، خلقت موقعا خاصا لوزراء الكابينت وجعلت العضوية فيه مرغوبة لمعظم أحزاب الائتلاف بشكل أثر على حجمه وتركيبته وبالتالي على نجاعته”.

وأوضح المسؤول الأمني، أن “اللجنة الوزارية لشؤون الأمن القومي أو باسمها المعروف “الكابينت السياسي الأمني”، تعتبر منذ الأزل أهم اللجان الوزارية وأكثرها اعتبارا، ففي يد هذه اللجنة تودع مواضيع دراماتيكية لأمن إسرائيل، بما فيها قرار الحرب، تحديد السياسة الحكومية في مسائل الأمن والخارجية وإقرار المخططات متعددة السنين لتعاظم قوة الجيش والجاهزية”.

في أيار/ مايو 2017، تبنت الحكومة توصيات لجنة “عميدرور” لشؤون سياقات عمل “الكابينت”، ومنذئذ تطبق بشكل منهاجي وكجزء من روتين عملها اليومي، وفي أعقاب ذلك، بدا تحسن في الدراسة المسبقة وبجودة مداولات “الكابينت” ولكن هذه لا تزال تعاني من مواضع ضعف مصدرها نظام الحكم أو ثقافة النقاش والإدارة”.

ونبه إلى أن “أحد العوامل الأكثر تأثيرا على جودة مناقشات الكابينت هو حجمه وتشكيلة أعضائه؛ فعدد كبير من الوزراء وإن كان يسمح بعرض جملة متنوعة واسعة من الآراء وزوايا النظر، لكنه يثير أيضا المصاعب لعقد الوزراء بشكل متواتر، يطيل مدة المناقشات ويزيد المخاطر بتسريب المعلومات”.

وشدد على أهمية “تقليص عدد أعضاء المجلس المصغر، وتبعا لذلك، حصر عدد المشاركين في المناقشات بالحد الأدنى، وإذا لم يتحقق هذا، فمن الصواب العمل على توافق فريق محصور من الوزراء من داخل الكابينت (المطبخ الصغير) لاتخاذ قرارات جارية في مواضيع يحددها الكابينت”.

ومن أجل تركيز اهتمام “الكابينت” وتقليص كمية المواضيع التي تطرح لحسمه، قال بن شبات، إنه من الصواب تشكيل لجان فرعية وتوزيع المواضيع عليها مثل “اللجنة الفرعية لشؤون التصدير الأمني” أو “اللجنة الوزارية لشؤون مخططات التسلح”.

وأضاف بن شبات، وهو نجل الحاخام المتطرف مخلوف بن شبات، الذي لعب دورا بارزا في عمليات التطبيع، وهو ما جعله أحد أكثر المقربين من نتنياهو: “من الصواب أيضا، فحص نموذج وزراء الكابينت؛ وذلك بتفريغ وزير أو اثنين في ديوان رئيس الوزراء لشؤونه، بما في ذلك النقل بين الوزارات وإدراج القضايا التي حددها”.

وفي سياق متصل، ساد خلاف حاد عقب الكشف عن تعيين رئيس “أغودات يسرائيل” الحاخام إسحق غولدكنوبف، ضمن فريق “الكابينت”، حيث من المتوقع تراجعه عن عضوية “الكابينت” تحت ضغوط حليفه رئيس كتلة “ديغل هتوراه”، وفي حال أبقى على العضوية، سيكون ذلك لأول مرة في إسرائيل، منذ تأسيسها”، وفق ما أورده موقع “i24” الإسرائيلي، الذي نبه أن هناك بندا في الاتفاق الائتلافي، المبرم بينه وبين حزب “الليكود”، يخوّله بتولي عضوية المجلس.

وقال الموقع: “دستوريا، تبقى صلاحية إعلان الحرب والسلم في إسرائيل، وإبرام العلاقات الخارجية، بيد هذا المجلس، الذي عادة ما يهيمن عليه رئيس الحكومة ووزيرا الأمن والخارجية، ولو أصبح غولدكنوبف عضوا في المجلس، سيكون أول شخص ينتمي لـ”الحريديم”، يتبوأ عضوية المجلس”.

ونوه إلى أن التنازل المحتمل، يأتي بعد احتجاج على التعيين، من قبل موشيه غافني، رئيس كتلة “ديغل هتوراه” للحريديم الليتوانيين، الذي نبه إلى أن تعليمات الحاخامات، تتطلب تجنب مناصب وعضويات في هيئات سياسية (في إشارة إلى عضوية غولدكنوبف في الكابينت).

وتابع الموقع: “نأى الحريديم طويلا عن المعسكرات السياسية في إسرائيل، قبل أن يبرموا شراكة استراتيجية مع اليمين، كما أنهم حافظوا لعقود على مسافة من قضايا الأمن والسياسة الخارجية، وفضّلوا أن يقتصر نشاطهم، على النمط الزبائني مع جمهورهم، إلى جانب الحفاظ على أمور في الحيز العام الإسرائيلي؛ وهي: حرمة السبت، الأكل الحلال، إعفاؤهم من الخدمة العسكرية في الجيش، اعتناق اليهودية، وتمويل مدارسهم الدينية، لكن مراقبين يرون، أن تغييرا طرأ على الحريديم، في السنوات الأخيرة، في هذا المجال”.

الفلسطينيون ينتقدون صفقات الائتلاف الإسرائيلي ويحذرون من “انفجار” الشرق الأوسط

أمد/ تل أبيب: ذكرت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، حذرت السلطة الفلسطينية المجتمع الدولي من “اتفاقات بنيامين نتنياهو المشؤومة مع شركائه في الائتلاف الفاشي اليميني المتطرف”.

وأضافت الصحيفة، أن الفلسطينيين أعربوا عن قلقهم العميق إزاء الاتفاقات الموقعة بين رئيس الوزراء المكلف بنيامين نتنياهو وشركائه في الائتلاف اليميني المتطرف، وخاصة رئيس حزب “قوة يهودية” عضو الكنيست إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من حزب الصهاينة المتدينين.

كما أنهم حذروا من أن سياسات الحكومة المقبلة ستؤدي إلى “انفجار” وحثوا السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي على الاستعداد لأسوأ السيناريوهات، أضافت الصحيفة.

وحسب الصحيفة، دعت السلطة الفلسطينية المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إلى ربط علاقتهم بحكومة نتنياهو “بمدى التزامها بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان”.

ونقلت الصحيفة، عن وزارة الخارجية الفلسطينية قولها، إنها تنظر “بجدية كبيرة” في وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن “اتفاقات نتنياهو المشؤومة مع شركائه في الائتلاف الفاشي اليميني المتطرف”.

الفلسطينيون يخشون الخطوة التي تمنح الضفة الغربية السيطرة على سموتريتش

وذكرت “كان نيوز” يوم الجمعة أنه كجزء من الاتفاق الإئتلائي مع “الصيهونية الدينية”، وافق نتنياهو على التخلي عن سيطرة كبيرة على عملية الموافقة على البناء الاستيطاني لسموتريتش.

وورد أن نتنياهو وافق على تسليم السلطة على الهيئتين الرئيسيتين المسؤولتين عن السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية – منسق أعمال الحكومة في الأرض الفلسطينية والإدارة المدنية – إلى حزب سموتريتش.

ويخشى الفلسطينيون من أن تمهد هذه الخطوة الطريق أمام الحكومة الجديدة لتوسيع نطاق القانون الإسرائيلي ليشمل أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وخاصة المنطقة (ج)، التي تسيطر عليها إسرائيل حصرا.

بالإضافة إلى ذلك، يشعر الفلسطينيون بالقلق إزاء إصرار بن غفير على إدراج بند في اتفاق الائتلاف يفرض عقوبة الإعدام على الإرهابيين المدانين.

وفقا لبيان صادر عن كتلة “عوتسما يهوديت” التي يتزعمها بن غفير، تم الاتفاق على تشريع قانون بشأن عقوبة الإعدام قبل إقرار ميزانية عام 2023.

وزير الخارجية الفلسطيني يحذر من مخاطر تغيير الوضع الراهن

وقالت الوزارة في بيان إن الاتفاقات ستسمح ب”ضم” الضفة الغربية وإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية ومنح بن غفير “رخصة للعمل والترويج لعقوبة الإعدام”.

وأضاف البيان أن “وزارة الخارجية حذرت من مخاطر تطبيق هذه الاتفاقيات على الصراع والمنطقة بأسرها، خاصة تداعيات تغيير الوضع القائم في القدس ومقدساتها، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك”.

وحذرت الوزارة من أن رد المجتمع الإسرائيلي على اتفاقات الائتلاف “لا يرقى إلى مستوى المخاطر الحقيقية على الوضع في المنطقة”.

قال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إن الفلسطينيين سيواجهون السياسات الإسرائيلية ب “المقاومة السلمية” والعمل في المحاكم والمحافل الدولية.

“لن نقبل بممارسات سلطات الاحتلال، وسنواجهها بالمقاومة الشعبية السلمية وفي كل المحافل والمحافل الدولية”، قال عباس في رسالة للمسيحيين عشية عيد الميلاد.

ودعا عباس المجتمع الدولي إلى “إنهاء صمته ووقف الجرائم الإسرائيلية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني وضم الأراضي وإنشاء نظام استعماري عنصري”.

وأضاف: “نؤكد أن السبيل الوحيد أمام شعبنا وجميع شعوب المنطقة للتمتع بالأمن والاستقرار والازدهار هو حصول شعبنا الفلسطيني على حقوقه المشروعة التي أقرتها قرارات الشرعية الدولية بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة مع القدس الشرقية وعودة اللاجئين”.

وقال تيسير خالد، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إن الفلسطينيين قلقون لأن نتنياهو أعطى “اليمين المتطرف الفاشي مواقف حساسة ومنحهم صلاحيات في القضايا الحساسة، مثل إضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية وتوسيع الأنشطة الاستيطانية وضم مناطق في الضفة الغربية”.

وقال خالد إن على الفلسطينيين السعي للحصول على دعم أصدقائهم لملاحقة إسرائيل في جميع المحافل الدولية ومحاسبتها على “جرائمها” ضد الشعب الفلسطيني.

وقال الكاتب الفلسطيني محمد ياغي إن ما يحتاجه الفلسطينيون الآن هو قيادة جديدة قادرة على مواجهة حكومة نتنياهو.

وكتب في صحيفة القدس الفلسطينية اليومية أن القيادة الجديدة يجب أن تنظر في إمكانية “تصعيد” الصراع مع إسرائيل والانسحاب من اتفاقات أوسلو لعام 1993.

وأوضح أن إلغاء اتفاقات أوسلو لن يتطلب بالضرورة “حل السلطة الفلسطينية، ولكن فقط الإعلان عن أنها لم تعد مسؤولة عن المسائل السياسية أو الأمنية”.

الأنظمة العربية المعتدلة في مواجهة الحكومة الإسرائيلية المتطرفة

د. مصطفى يوسف اللداوي

قد تبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض في السياسة الإسرائيلية، ولم يعد هناك أدنى شك في سياستهم التي يظن البعض أنها جديدة، في حين أنها ذات السياسة القديمة التي نشأ عليها والتزم بها، ولم يطرأ عليها أي تغيير يذكر سوى في الشكل والمظهر، التي تبدو أحياناً ناعمة لطيفة كالأفعى، تعطي المجتمع الدولي من طرف اللسان حلاوةً، بينما تروغ في شعبنا الفلسطيني وأرضه وحقوقه كما يروغ الثعلب، وتلغ في دمائنا كالضباع والذئاب الضارية، وتظهر في أحايين أخرى على حقيقتها الخشنة القاسية، التي لا تراعي قانوناً ولا تلتزم نظاماً، ولا تأبه بصورتها العامة ولا بعلاقاتها الخارجية، بل تدوس بأقدامها على الأرض كالفيلة العمياء، تدوس وتخرب وتدمر وتفتك وتقتل وتعتقل وتصادر وتحاصر.

اليوم وقد تشكلت الحكومة الإسرائيلية الجديدة، التي يصفها الإسرائيليون أنفسهم، لا العرب والفلسطينيون فقط، بأنها الحكومة الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ الكيان الصهيوني، التي لم يسبق أن تمثل فيها متطرفون دينيون ومتشددون قوميون كما يتمثلون فيها اليوم، بوجوهٍ قبيحةٍ لا تحاول الأقنعة الزائفة تجميلها، فهي حكومة مئير كاهانا التي ورث أفكاره وآمن بمبادئه أقطاب الائتلاف اليميني الجديد، الذين لا يخفون أبداً عزمهم على ابتلاع أرض فلسطين كلها، وطرد أهلها، وهدم بيوتها، ونهب ثرواتها، وهدم مقدساتها، وتغيير معالمها، وتهويد مظاهرها، وفي سبيل ذلك فقد أطلقوا العنان لقطعان مستوطنيهم وشرطتهم وجيشهم للإثخان في الفلسطينيين أكثر، وتجاوز كل الحدود والضوابط لقتلهم، وقد بدأوا تنفيذ خططهم وتحديث برامجهم بما يتماشى مع أحلامهم القديمة وسياساتهم الجديدة.

أمام هذه الصورة الواضحة المعالم، واللوحة القاتمة السوداء، والمواقف المتطرفة والسياسات المتشددة، لم يعد أمام الأنظمة العربية التي يحلو للبعض وصفها بأنها أنظمة معتدلة، وهي تلك التي اعترفت قديماً أو حديثاً بالكيان الصهيوني وطبعت العلاقات معه، وتبادلت وإياه التمثيل الدبلوماسي، وسمحت لفرقها الموسيقية في المطارات وقصور الحكم بعزف “النشيد القومي الإسرائيلي”، ورفع الأعلام الإسرائيلية في سمائها، وعلى طول الطريق إلى مقرات استضافة مسؤوليهم، وفتحت أجواءها للرحلات الإسرائيلية التي تبدو أنها سياحية، وهي في أكثرها أمنية مشبوهة، وسياسية خبيثة.

لم يعد في ظل هذه النوايا الإسرائيلية الخبيثة أمام الأنظمة العربية أي مبررٍ للوفاق أو الاتفاق مع الكيان الصهيوني، أو الاعتراف بهم وتوثيق العلاقة معهم، أو الصبر عليهم واختبارهم، وتجربتهم والرهان عليهم، فالحكومة الإسرائيلية الجديدة تريد شطب القضية الفلسطينية، وإعلان السيادة الإسرائيلية الكاملة على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وتريد هدم المسجد الأقصى المبارك، لتبني على أنقاضه الهيكل الثالث المزعوم، وقد آن الأوان بزعمهم لاستعادة ملكهم، وبناء هيكلهم، ونفخ بوقهم، وأداء سجودهم الملحمي، وذبح الخراف وتقديم القرابين التزاماً بتعاليم التوارة ووصايا الرب لهم.

إنها حكومة الحسم وساعة الفصل، بل هي ساعة الصدق والمواجهة، فعلى الأنظمة العربية “المعتدلة” التي يراهن عليها نتنياهو ويفاخر بأنه هو الذي بدأ العلاقات معها، ويعلن أنه سيمضي في تطوير علاقات كيانه معها، أن تعلن موقفها وتقول كلمتها وتحسم أمرها، فالمسألة لم تعد تدور حول مشروع السلام وحل الدولتين، واستعادة الحقوق وعودة اللاجئين، أو اتفاقية أوسلو والحكم الذاتي المحدود، بقدر ما هي مسألة شطب اسم فلسطين من الوجود، وتجريد الفلسطينيين من حقوقهم، وإلحاقهم بغيرهم أو منحهم حقوق الإقامة المؤقتة، شأنهم شأن أي جالية أجنبية في دولةٍ أخرى، التي تملك حق سحب تراخيص الإقامة منهم وطردهم من “دولتها”.

قد تكون هذه الفرصة مناسبة لإعادة النظر في السياسات السابقة، ومراجعة الأخطاء التي وقعت فيها بعض الأنظمة، والاستفادة من السانحة التي تعرض عليهم، ليعودوا إلى الحق، ويتمسكوا بالثوابت الوطنية والقومية والإسلامية، التي تعتبر فلسطين قضية العرب الأولى، وأحد أهم المقدسات الإسلامية التي خلدها الله عز وجل في كتابه الكريم، وشرفها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء إليها والمعراج منها، فالتوبة استقامةٌ، والإنابة صدقٌ، والإقلاع عن الخطأ طهرٌ، والندم عليه شرفٌ، يُكفر عما مضى ويعفو عما سبق.

أما الإصرار على الباطل فهو عنادٌ، والمضي فيه ضلالٌ، والاستمرار فيه ضياعٌ، والرهان عليه خسارة، فضلاً عن أنه استخفافٌ بالمقدسات وتفريطٌ بالحقوق وخيانةٌ للأمانة، التي ستجر عليهم عبر التاريخ حسرةً وندامةً، ولعنات المؤمنين إلى يوم القيامة، وتاريخ الأمة خير شاهدٍ، وسفر الخلق وسنة الحياة وسير الأمم والشعوب أفضل حكم وأعدل قاضٍ.

الفلسطينيون الذين يأملون من أشقائهم العرب خيراً، ليسوا خائفين من هذه الحكومة، ولا ترتعد فرائصهم من سياستها، ولا يعتريهم الفزع من تصريحاتها، فقد خبروا من هم أسوأ منها وأشد، وتعاملوا مع من هي أقسى وألد، وتمكنوا من صدهم وتحدي سياساتهم، وثبتوا في وجوههم وكبدوهم خسائر أيقظتهم من سباتهم وأعادتهم إلى وعيهم، وأجبرتهم على إعادة التفكير فيما أعلنوا عنه وخططوا له، فالفلسطينيون هم أهل الأرض وأصحاب الحق، لا يفرطون في أرضهم ولا يتنازلون عن حقوقهم، ولا يتعبون من مقاومتهم، ولا يملون من تضحياتهم، حتى تتحقق آمالهم وتتحرر أرضهم، ويطردون العدو الباغي منها، ويطهرونها ومقدساتها من دنسهم وخرافاتهم.

“في جوف الحوت: تجارب فلسطينية في الجامعات الإسرائيلية”

أ.د خالد جمال فوراني

فلنبق ها هنا، جسدًا وفكرًا مهما طال تيهنا

في وقوفي أمامكم اليوم حيا ها هنا ثمة آية – أو بلغة مفهومة أكثر ثمة معجزة – لربما من الأصح أن أتكلم في صيغة الجمع فأقول هناك آيات أو معجزات، وليست واحدة فحسب. لكن المعجزة التي تعنيني هنا، هي المعجزة الإحصائية، أقصد أني أعيش شرطا فلسطينيا ممزقا تحت براثن النظام الصهيوني الذي من المفروض أن يُقتَل في حدود ما احتله عام ١٩٤٨، رجل فلسطيني كل ثالث يوم (وبالتأكيد ثمة وتيرة قتل أعلى لو أضفنا ما أحتل من فلسطين عام ١٩٦٧). نحن إذن أمام حوت يتخلى عن مهمته الأصلية (في أوروبا) في حفظ الأمن والأمان لجميع القاطنين فيه (ضد الموت ظلما)، غير أن هذا الحوت (وللتوضيح، أقصد الدولة) يقوم بمهمته المحلية هنا (أي الصهيونية) الواقعة بامتياز، حين يفاضل بين البشر فيجعل من الدم اليهودي أغلى من الدم اللا-يهودي.

وبالتالي نأتي طلبة ومحاضرين للجامعات من حوت الدولة إلى حوت الأكاديميا التي تلتهم الطلبة الفلسطينيين أيضا لربما جسدا أحيانا، ولكن غالبا ما فكرا، طالما كانت بوصلتها أو عمادها هي معارف غربية غير قادرة على مخاطبة المعارف الأهلية ها هنا. وبين الحوتين هذين على الأقل كانت “دفيئتنا” وهو ملعقتنا – ملعقة الحرية – التي مدها لنا بجوده المعهود معهد فان لير حين أستضاف مجموعة من الطلبة الفلسطينيين ليبحثوا عن سبل انعتاقهم فكرا وفعلا من جوف الحيتان المحيطة بهم.

فالكتاب الذي بين أياديكم مبني على حوارات، شهادات ومقارنات نأمل أن تتيح لقرائها سبيلا بل سبلا يتحد فيها فعلا الفكر والتحرر حتى نلج محيطات ولربما صحارى المعرفة كما يليق بنا، أهل هذه الأرض لا كما يشاء لنا مغتصبونا، أرضا وفكرا. في هذا الكتاب ثمة أكثر من نبره نبوية واحدة ووحيدة: قد تعتقدون أن يونس هو المحرك الوحيد لاستعارة تسكن عنوان الكتاب” في جوف الحوت” فنعود، كما يونس عاد، وهو بوصلتنا إلى مدننا وما تبقى من قرانا (غيتوهاتنا هي العبارة الأدق عموما) لنتذكر حقيقة وجودنا هنا كأهل البلد، وإن أنكر المهاجرون إليه ذلك.

ولكن وللمفارقة، النبرة النبوية التي ترافق هذا الكتاب هي من أصوات يوسف وموسى أيضا. أما نبرة يوسف تسمع في الكتاب لأنه ورغم ظلمة الجب (جوف الحوت الذي عاشه) وصل يوسف وفي عقر دار الفرعون لأعلى المناصب ولم ينس أهله (بل لربما زل حين فضلهم عن المصريين) والنبرة الأخيرة هي نبرة موسى الذي عاش في رغد قصر الفرعون (جوف الحوت الذي عاشه) ولم ينس أن يؤَمِّن مخرجا لأهله وهو القائل:

 أما نحن في كتابنا هذا، وبمساعدة فان لير الذي قدم لنا ملعقة ما من الحرية لا تتاح لنا عموما في الجامعة الإسرائيلية، وبسبب جهد المشاركين في الدفيئة جميعا نقول عبر الصوت الموسوي من خلال كتابنا: فلنبق ها هنا، جسدا وفكرا مهما طال تيهنا، فلنمنح جذورنا القدرة لأن تخوض في الأعماق، فالثرى هنا ثروتنا وثريانا كلنا، والأرض هنا تتسع لجميع أهلها (مهما اختلفت دياناتهم وألسنتهم وبشرتهم ومشاربهم)، جاء من جاء، وأتى من أتى من الغرباء، كما يدل علينا أسمنا تماما – أهل فلسطين.  فاذهبوا إذن وأقرأوا هذا الكتاب، ناقشوه، تجادلوا فيه، علكم تدركون حيتانكم وتصلون شطآن من العلوم لم ترسوا فيها بعد، وعلكم أيضا تخرجون منها إلى “بحار” من المعارف لم تبحروا فيها بعد.

خاتمة، حين أسأل عن مصدر العنوان “في جوف الحوت” فلا يسعفني ولا يسعني إلا أن أجيب على طريقة قصاص الأثر – والأثر هو ما تأتى لي في النثر وفي الشعر من دلالات الباحثين عن فلسطين: فها هو غسان كنفاني يهدي روايته القصيرة “ما تبقى لكم” لخالد الذي “ما زال يعود” على حد تعبيره، وأعود فعلا إلى شعر محمود درويش فأسمعه عائدا يسأل “لماذا تركت الحصان وحيدا؟  فيجيب: “السنابل مثقلة، والمناجل مهملة وبلاد تبتعد الآن عن بابها النبوي”. في الصعيد الشخصي، هنا أرى محاولة لأحفظ لفلسطين علاقة عضوية عشتها مع جدتي لأمي التي أخذتننا، كما يبدو لي كعهد جداتنا عموما، عبر حياتها إلى هذا “الباب النبوي” وبالتالي ثمة محاولة، لا أكثر، في هذا الكتاب لأن يبقى هذا الباب – الباب النبوي – كما سماه درويش منفتحا لا موصدا أمام كل الباحثين والباحثات عن المعرفة الأصيلة في فلسطين، في أرض البدايات والنهايات. والأنبياء كما قال “هم جميعا أهلي” (في حجر كنعاني في البحر الميت) فلنأخذ من قصة يونس (يونان أو يونة) وعيا أي وطنا نقرأ من خلاله حاضرنا وماضينا ومستقبلا. هذه هي دعوة الكتاب، كمحاولة للتفكر في وجودنا في جوفه و في ما بعده، من خلال إنصاتنا وإصغائنا بالذات لتلك الأصوات، التي يكاد أن يغلق الباب في وجهها، أصوات الأنبياء، حتى في هذه الأرض الغارقة في حيتانها.

(ألقيت الكلمة في أمسية إشهار كتاب “في جوف الحوت” في نادي حيفا الثقافي- ٨/ كانون الثاني /٢٠٢٢)

عسكرة الدين وتديين العسكر! وعلاقة الفاشية بالاحتلال

عصام مخول

الائتلاف الذي يشق طريقه لتشكيل حكومة الانتقال الفاشي في إسرائيل، بعد انتخابات الأول من نوفمبر، يتشكّل من أربع كتل برلمانية تمثّل ثلاثة تيارات أساسية في الخارطة السياسية والأيديولوجية المهيمنة في المجتمع الإسرائيلي اليوم، وذلك على خلاف ما شهدته المنظومة السياسية الإسرائيلية منذ سنوات طويلة من تنوّع أوسع لكتل الائتلاف الحاكم وتعدد مشاربه الفكرية والسياسية والاجتماعية (ائتلاف حكومة بينيت – لبيد المنتهية ولايتها تشكلَ من ثماني كتل). وإذا اخذنا في الحساب أن الليكود هو طليعة اليمين الحاكم وعموده الفقري الذي أوصله الى الحكم في غالبية المعارك الانتخابية في العقود الأربعة السابقة، وهو الذي طبع السياسة الإسرائيلية بطابعه وتغلغل في مفاصل الدولة العميقة، وبلور ملامح النظام الحاكم في الفترة الماضية، فإن نتائج الانتخابات التي نحن بصددها تشي بأن شيئاً أعمق من التدهور المعهود قد نشأ عنها. فمقابل الليكود الذي حصل على 32 مقعدا برلمانيا، رأينا أن كتل الأحزاب الدينية المتشددة التي يشكل طابعها وخطابها الديني المتشدد مميزها الأساسي، والأحزاب اليمينية الشوفينية المتشنجة عنصريا قد حصلت هي الأخرى على 32 مقعدا، وتنقسم هذه المجموعة كما أشرنا الى مركبين اثنين، بحيث تمثّل الاحزاب التقليدية المتشددة من الحريديم بمركبيها “شاس” و”يهدوت هتوراة” 18 مقعدا (منها أحد عشر مقعدا لحركة شاس، وسبعة مقاعد لكتلة يهدوت هتوراة). بينما تتمثل “الصهيونية الدينية” التي تشكل رأس حربة فاشية ونواة الحزب الفاشي السافر على النسق الإسرائيلي بقيادة بن غفير وسموطريتش بأربعة عشر مقعدا.

وإذا أخذنا بالاعتبار التحولات الطارئة على حزب الليكود وما يلازمه من التحلل من طابعه “الليبرالي” اليميني التقليدي، وما بات يغلب عليه من خليط شعبوي متشنّج وعناصر دينية وعلمانية تتبنى خطابا فاشيا وعنصريا، ويمين نيوليبرالي يغلب عليه الفساد، وقد ضاق ذرعاً بملامح الديمقراطية الليبرالية والإدارة السليمة وأولوية حكم القانون، فإن بروز ائتلاف في سدة الحكم يتشكل نصفه الأول من ممثلي الليكود المأزوم، ويتشكل نصفه الآخر من 32 مقعدا يشكلون كتلة دينية، تتراوح في داخلها بين المركب المنغلق دينيا والمنطوي داخل أحيائه ومدارسه ومؤسساته وتقاليده الدينية كـ”الحريديم” من جهة، وبين المركب اليميني الشوفيني والاستيطاني الأكثر عدوانية وفاشية ودموية تجاه الشعب الفلسطيني متمثلا بكتلة الصهيونية الدينية برئاسة سموطريتش وبن غفير، فإن هذا التطور يشي بأن تدهوراً نوعيا قد طرأ على النظام الحاكم في إسرائيل وعلى الجمهور الإسرائيلي والرأي العام، وهو يفرض مهام وتحديات جديدة أمام القوى التقدمية العربية واليهودية في إسرائيل وأمام القوى غير الفاشية والمناهضة لها عامة.

ومن المفارقات الملازمة تقليديا للانتقال الفاشي، أن القاعدة الشعبية التي تستند اليها القوى الفاشية المتربعة في سدة الحكم بهذا الشكل السافر في إسرائيل اليوم، تتشكّل من غلاة المستوطنين من جهة، ومن الفئات الشعبية المهمشة في البلدات المحيطية الميدانية وفي أحياء الفقر في المدن وخاصة في المدن التاريخية المشتركة من الجهة الأخرى، وعلى الرغم من أن هذه الطبقات هي المرشحة لتكون ضحية الفاشية، والأكثر معاناة من السياسات الفاشية اليمينية والنيوليبرالية المتطرفة في خدمة الرأسمالية المتوحشة اجتماعيا- لكنها توفر للفاشية في الوقت ذاته قاعدتها الشعبية الغوغائية ورعاعها الذي تستند اليه في تحريضها وانفلاتها قوميا وشوفينيا.

وفي الحالة الإسرائيلية، يلتقي المكون العنصري القومجي الشوفيني الذي يستهدف الشعب الفلسطيني بما في ذلك الفلسطينيين داخل إسرائيل مع المكوّن المتلفع بالدين والقوى الدينية الموغلة في الأصولية الرجعية والتشدد والانغلاق الديني، والعيش في ظلال الرواية التوراتية لتبرير الاحتلال والقمع والاستيطان وإلغاء الحقوق القومية للشعب الفلسطيني. وتترافق مراكمة الهيمنة الفاشية اعتمادا على ترسيخ “تديين” الجيش و”تديين” أدوات الاحتلال والاستيطان من جهة، وعسكرة الدين وإعداد القاعدة المادية والفكرية لإنتاج الوعي الفاشي الزائف والأصولية الغيبية بشكل منهجي مبيّت.

تحالف غلاة المستوطنين

وغلاة الأصولية الدينية

إن مأسسة الممارسات الفاشية ميدانيا وإعداد أدواتها على الأرض سبقت الانتقال الفاشي للحكم في إسرائيل وخلقت مقدماته الضرورية، ونستطيع بوضوح رؤية أن البنى التحتية الأيديولوجية والمادية للفاشية كانت تبنى وتراكم أدواتها بشكل حثيث وسلس في ظل هيمنة مشروع الاستيطان والتهويد وقمع الشعب الفلسطيني وقهره، وتحوير مفهوم السياسة والصراع السياسي وتفريغه من مضامينه الحقيقية بحيث لا يبقى من مضمونه غير خيارين هزيلين: “معسكر فقط من دون بيبي”، و”معسكر فقط بيبي” دون التنافس على الخيار بين مشاريع سياسية وفكرية بديلة. وتحت مظلة التضليل وتضييع الطاسة والافلاس السياسي لكلا المعسكرين كان يجري التأسيس بالمقابل لتداخل التوحش العسكري والامعان في امتهان حقوق الفلسطينيين مع مأسسة الفكر الاستيطاني الدموي القائم على التبرير الديني والمستند الى الرواية التلمودية.

 وطفت على السطح في العقدين الأخيرين ظواهر احتلالية تحمل طابع التغول الديني في تفاعل مع التغول العسكري تجاه الشعب الفلسطيني ومع مجرد حقه في بقائه في وطنه، وهذه الظواهر تعكس التكامل بين “تديين الجيش” وتعبئته بالروايات الدينية التوراتية المنتقاة والأكثر عنفا، وبين عسكرة الدين وإقامة ميليشيات متدينة ووحدات عسكرية للجنود المتدينين تخلط التعليم الديني بالانفلات العسكري والقمعي، محمولا على أجنحة الفكر الإرهابي الفاشي الذي تنتجه المؤسسة الدينية الاستيطانية في المناطق المحتلة. ولا يتورّع هذا التحالف بين الفاشية والاصولية الدينية عن استحضار روايات القضاء المبرم على أهل البلاد الاًصليين على نسق دخول يهوشواع بن نون الدموي الى أريحا وفق الرواية التوراتية، وإذا كان القضاء على أهل البلاد الأصليين غير ممكن ماديا اليوم، فإن التحالف الفاشي المعاصر سيكتفي “بالقضاء المبرم” على الحضور القومي والسياسي لأهل البلاد الأصليين كما عكسه قانون القومية ومخططات الضم ووضع إدارة شؤون المناطق الفلسطينية تحت سلطة المستوطن الفاشي سموطريتش، وتحطيم الحقوق القومية للشعب الفلسطيني بما فيه حقوق الأقلية القومية الفلسطينية المواطنة في إسرائيل، وبذلك يغذي هذان التياران أحدهما الآخر وتندمج المؤسسة الدينية الاستيطانية بالممارسة القمعية الاحتلالية وتجعل طريقها قصيرا الى الانتقال الفاشي في إسرائيل.

إن أبرز مظاهر هذا التطور ظهور وحدة عسكرية مثل “وحدة خلود يهودا” (נצח יהודה) المشكّلة من الجنود المتدينين المتعصبين، حيث أخذ التدين في الجيش يحتل وزنا مهمًا في الوحدات المنخرطة في قمع الفلسطينيين، وتجسّد ذلك بالمكانة التي أخذت تحتلها المدارس التلمودية في تعزيز منظومة الاحتلال وحماية جرائم المستوطنين واندماجها فيها بصورة واضحة.

ويشير الكاتب اليهودي الفرنسي سيلفان سيبل والذي شغل منصب رئيس تحرير صحيفة لوموند الفرنسية الشهيرة بعد أن كان مراسلا للصحيفة في اسرائيل، في كتاب صدر له في باريس في العام 2020 تحت عنوان: “دولة إسرائيل ضد اليهود”، الى أن محامين من جمعية حقوق المواطن قد توجهوا الى المحكمة العليا في إسرائيل في أكتوبر 2018، “بطلب الحد من عمل الاكاديمية العسكرية “بني ديفيد” المقامة في مستوطنة عالي في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967″. وتجدر الإشارة الى أنه إذا كانت النخب العسكرية في الجيش الإسرائيلي قد أتت تاريخيا من حركة الكيبوتسات باعتبارها “طلائع” المشروع الصهيوني العلماني (חלוצים)، وشكّلت “فخر” اليسار الصهيوني المؤسس وما ارتكبه من حروب عدوانية ومجازر منذ طور التأسيس، فإن اكاديمية “بني ديفيد” (أبناء داوود) التي تأسست عام 1988، قد عكفت على مشروع تديين الجيش وعسكرة الدين، وجعلت هدفها المركزي السافر، وفخر إنجازاتها تكوين نخب المستقبل في الجيش الإسرائيلي على شاكلتها ومثالها وعلى شاكلة عصابات المستوطنين المنفلتة والمحمية من قبل جيش الاحتلال، وحسم مسألة أسبقية أرض إسرائيل الكبرى على الادعاء الديمقراطي في معادلة “دولة يهودية وديمقراطية”، وما يتطلبه ذلك من مأسسة عقلية الإمعان الدموي في قهر الشعب الفلسطيني. واتسمت مناهج التربية والتعليم في أكاديمية “بني دافيد”، كما يذكر سيبل “بالتديّن وروح التعصّب والتطرف وقد اعتلى العديد من خريجيها مناصب عالية في الجيش وفي السياسة”.

ويقول الكاتب إن طلبة “أكاديمية عالي” يؤمنون بأن المسيح سيأتي من نسل داوود، ويقتبس سيبل من الموقع الإلكتروني للأكاديمية العسكرية الاستيطانية عبارات منسوبة الى حاخامات فاعلين في الاكاديمية تعكس الروح السائدة فيها تقول : “إن الجيش -اليهودي- هو الأداة التي تتجسّد بواسطتها قوة الله”. وعبارة أخرى للرابي يوسف كالنر يقول فيها: “إن جميع اليهود العلمانيين خونة، ويحق للدولة أن تتخذ أي إجراء ضدهم، بما في ذلك طلقة في الرأس”.

وشكّلت تصريحات الملياردير اليهودي الأمريكي شيلدون إديلسون الذي أغدق الملايين على حملات نتنياهو الانتخابية، إضافة الى ما أغدقه من مئات ملايين الدولارات على اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وفي دعم حملة ترامب الانتخابية مؤشّراً، وربما موجّها، يعطي المبرر الأخلاقي الحاسم للتخلي عن الادعاء الديمقراطي، وإخضاع المسألة الديمقراطية نهائيا لمتطلبات الاحتلال بما لا يعيب أي تجربة فاشية في التاريخ. ففي 9 نيسان 2014 رد إدلسون على سؤال حول مخاطر تخلّي إسرائيل عن الديمقراطية في ظل استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية والسكان الفلسطينيين بقوله: “لا أعتقد بأن التوراة تقول شيئا عن الديمقراطية. والله لم يقل ولو كلمة واحدة حول الحفاظ على إسرائيل كدولة ديمقراطية.. تقول لي بأن إسرائيل لن تكون ديمقراطية… وماذا في ذلك؟”.

إن استعمال الدين والرواية التوراتية من قبل اليمين الجديد في إسرائيل لهزم الادعاء الديمقراطي باعتبار ذلك أداة فاعلة لفك التناقض الداخلي في معادلة ” دولة يهودية وديمقراطية”، شكّل مركبا محوريا في تبرير الانتقال الفاشي في إسرائيل وتعويد الاذهان على التعامل الطبيعي مع الانتقال الفاشي الى الحكم باعتباره نتاجا ديمقراطيا مشروعا ومن غير الديمقراطي التشكيك في شرعيته، في أبشع أشكال التلوّن والابتزاز الفكري والسياسي المضِّلل.

“جيش الرب” هل يبتلع “جيش الشعب”

في حمأة تعميق الاحتلال؟

كانت صحيفة هآرتس أكثر شجاعة ووضوحا في طرح تمدد عقلية المستوطنين وتفشي خطابهم الديني الغيبي الى داخل مؤسسات الدولة والمنظومة الاحتلالية الحاكمة وفي صلبها مؤسسة الجيش، واعتبرت الصحيفة: “إن هناك ريحا شريرة تهب على الجيش الاسرائيلي الذي بات يعرض نفسه على انه جيش الرب وليس جيش الشعب كما كان يسميه أرباب الصهاينة المؤسسين” وكانت هآرتس تشير الى: “الموعظة الدينية التي ألقاها قائد لواء السامرة في 13 نيسان 2022 أمام الجنود لتشجيعهم وتوجيههم قبل دخولهم قبر يوسف في نابلس لحماية ترميمه. وقال: “إن في هذا المكان تم وعد البلاد لأبينا إبراهيم، كما جاء: لنسلك أعطي هذه البلاد”، وأضاف: “إنهم – المستوطنين اليهود – يعملون اليوم ويدهم هي العليا.. ليس كسارقين في الليل، بل كأبناء ملوك. وأن هذا الجيل من اليهود سينال الحق في استعادة شرف البلاد وشعب إسرائيل”. وعلّقت صحيفة هآرتس: “إن هذا الخطاب الديني العنصري يأتي على لسان من قدم نفسه وكأنه سيدنا موسى، وليس كقائد لواء في الجيش الإسرائيلي. ولكنه دليل إضافي على تحوّل رهيب في جيش الاحتلال، الذي بات يتخذ من الحاخامات الدينية مرجعية له ولا يحترم الأوامر العسكرية، خاصة وأن القول الوارد على لسان قائد “لواء السامرة”، شكّل خرقاً لأمر عسكري أصدره قائد المنطقة الوسطى اللواء يهودا فوكس الذي لم يكن يريد الدخول الى نابلس بمرافقة إعلامية ولا بمشاركة وفود سياسية خوفا من تعريض حياة جنوده للخطر. ولكن قائد اللواء ببساطة قرر الاستخفاف بالجميع”، وأشارت هآرتس الى أن قائد اللواء “تلقى تعليماته من نائبين من المعارضة، عضو الكنيست أوريت ستروك من الصهيونية الدينية ويوآف كيش من الليكود، ومن رئيس مجلس السامرة وهو من نصحه بإدخال وسائل الاعلام وليس قائده العسكري المباشر. وكان قائد لواء السامرة نفسه، قد صرّح في أحتفال مدني احتفالا “بتوحيد أورشليم”! أقيم في مستوطنة ألون موريه المقامة على مشارف نابلس: “يخطئ من يقول ان الجيش والمستوطنين يتعاونون، فالمستوطنون والجيش هم الشيء نفسه.. إنهم جسم واحد متماثل”. (هآرتس 1.6.,2022)

هذه هي نقطة الارتكاز التي تجمع مفهوم الاحتلال المتواصل ومشروع الاستيطان الاستعماري من جهة بالأصولية الدينية المتشنجة والمدعومة في نهاية المطاف من رأس المال الكبير، والتي قادت بشكل حثيث الى الانتقال الفاشي في اسرائيل في شكله الذي نشهده اليوم، وهذا هو المؤشر الى أن تشكيل حكومة نتنياهو – درعي- بن غفير- سموطريتش الذي يكتمل في هذه الأيام يشكل نقلة نوعية في الحالة الإسرائيلية وفي الهيمنة الفاشية على المجتمع الإسرائيلي.

إن هذه القراءة لطابع الانتقال الفاشي من شأنها أن تخلق فرزا إضافيا مختلفا على الساحة الإسرائيلية وداخل المجتمع اليهودي في إسرائيل ذاته، ليس محصورا على أساس الفرز الإسرائيلي والفلسطيني، ومن شأنه أن يحدد من باب جديد، خارطة القوى الإسرائيلية المتضررة والمهددة مباشرة بهذا الانتقال النوعي في المجتمع الإسرائيلي، وأن يرسم حدود التناقضات الجديدة الناشئة في ظل الانتقال الفاشي والوسائل المتوفرة لسد مسارب هذا الانتقال والتصدي له.

حركة تحرّر وطنيّة أم مُعارضة عربية مُدجَّنة؟

خالد بركات

في ندوة فكريّة هامّة شارك فيها عشرات المثقفين العرب، في دار الندوة – بيروت (آذار 1968) للبحث في أسباب ونتائج الهزيمة عام 1967، وقف ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الشاب الصحافي غسّان كنفاني، وقدَّم رؤية نقدية عميقة وشاملة حول دور الأحزاب العربيّة في صناعة الهزيمة، وكيف ساهمت الحالة المتردية الداخلية لأحزابنا في كارثة حزيران. كانت كلمة كنفاني تصوّب سهامها إلى واقع أحزاب الأمة في تياراتها المتعددة، وتفضح حالة العطب التي أصابتها والتي كشفتها مأساة وكارثة 5 يونيو حزيران 1967. (ملاحظة: لو عاد الشهيد كنفاني وألقى كلمته تلك عن الأحزاب الفلسطينية والعربية اليوم وبخاصة تلك التي ولدت بعد عام 1967 فلن يضطر إلى تغيير حرف واحد من كلمته. بل وقد يكتشف أن حالها صار أسوأ من حال أحزاب ما قبل النكسة).

ومن يُطالع حال الأحزاب القوميّة واليساريّة، في بلد مثل الأردن مثلاً، يجد أن واقعها الراهن لا يسرّ صديقاً ولا يُغيظ عدوّاً. مجموعات مبعثرة هامشيّة ومُفككة بلا بوصلة أو مشروع وطني تحرّري أو رؤية جادة للتغيير الجذري في الأردن. بل إن مكاتبها تستقبلك وقد رفعت صورة «جلالته» وأحفاده. هذا المشهد الحزين لم يكن واقعها دائماً، حين كانت تمارس النضال الثوري السرّي، تواجه الهزيمة وتعتبر نفسها جزءاً لا يتجزأ من حركة التحرر العربية الساعية إلى تحرير فلسطين وإقامة نظام ديموقراطي ثوري واشتراكي جديد.

كان للأحزاب القومية واليسارية رؤية سياسية وحاضنة شعبية، أمّا اليوم، فحال أحزابنا في الأردن يُشبه مثيلاتها في الملكيات والجمهوريات العربية كافة، لا أحد يجرؤ على قول ربع ما كان يقوله قبل عام 1990، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي ودخولنا عصر «الانفتاح» و«الديموقراطية» و«الانتخابات» و«التنمية المستدامة» واجترارنا لمقولات ما بعد «معاهدات السلام»! وفي بعض البلدان العربية لن تحصد كل هذه الأحزاب مجتمعة على مقعد واحد في «انتخابات لممثلي الأمة» سواء كانت انتخابات حرة نزيهة أو مزوّرة. الأمر سيان.

لماذا الأردن؟ لم لا؟ أو لا لشيء مُحدد تماماً. ربما لأنه بلد «صغير» يعكس صورة الوطن العربي الكبير؟ ويخضع للاستعمار العسكري الأميركي المُباشر. القواعد الأميركية وسفارة واشنطن في عمّان لا ترعى مصالح قواتها وعملائها في «البلد» وحسب بل في المنطقة كلّها.

يُفاخر نظام الملك عبد الله الثاني أنه يملك «علاقات استراتيجية» مع واشنطن ولندن وباريس، ويحترم اتفاقياته الأمنية مع عواصم الاستعمار. كما يُفاخر بدوره في «محاربة الإرهاب» وعلاقته المستقرة مع تل أبيب وشقيقه الأكبر نظام كامب ديفيد في القاهرة. هذا كله معروف، إنما نسوّقه هنا لنسأل: وماذا تفعل الأحزاب القومية والتقدمية واليسارية إزاء هذا الواقع؟ وكيف تناضل هذه القوى في بلد مستعمر أصبح يرزح بالكامل تحت عجلة الاستعمار الأميركي والأجنبي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً؟ بلد مستعمر يعني بلداً فيه فائض كبير من الجوع والفقر والفساد والمرض.

يذكرنا د. مازن حنا، الباحث والطبيب، في ندوة بعنوان «الحزب بين الثوري والإصلاحي غاية أم وسيلة؟» نظّمها «مركز الفينيق العربي» في عمّان، ويقول ما هو بديهي وهام: على الحزب (الثوري) أن يمتلك برنامجاً يسعى إلى تحقيقه، مهاماً نضالية يضعها أمام الجماهير ويناضل من أجل المستقبل، وحين يختفي هذا يصبح برنامج الحزب عبئاً عليه، لا يكسب جماهير بل يخسر ما لديه ويضمحل، تتحول مهمة أعضائه – الوحيدة – الحفاظ على اسم الحزب، يتحول الحزب بدوره إلى صنم، الإبقاء على اسمه هو الهدف الوحيد، ولو يافطة مُعلّقة على جدار حيث يجلس أربعة أو خمسة أشخاص في مكتب يستأجرونه، وينكفئ الحزب على ذاته، هكذا يضمحل، وهذا هو الوضع الأمثل بالنسبة إلى الدولة.

أمّا عن القوى «الاشتراكية» و«الشيوعية» فحدّث ولا حرج. نصفها منظمات «غير حكومية» والواقع أنها حكومية جداً، وليبرالية جداً

أين ذهبت تلك القوى الثورية العربية في منطقة الخليج العربي التي كانت تُهدد منابع النفط وإمارات القمع والسجون؟ وكيف غابت القوى المنظّمة التي تعمل على نشر ثقافة وطنية مغايرة تبشّر بالوحدة والثورة؟ كيف اختفت الجبهة الشعبية لتحرير إقليم ظفار، والجبهة الشعبية لتحرير البحرين، والأحزاب والقوى المناضلة في شبه الجزيرة العربية؟ اليوم يوجد في مصر المحروسة عشرة أحزاب تدّعي بأنها الممثل الشرعي الوحيد لفكر ونهج جمال عبد الناصر… وناصر منها براء. وفي بلد عربي واحد يوجد أكثر من عشرة أحزاب تدّعي أنها تسعى إلى إقامة الديموقراطية والتنمية وهي عبء على الديموقراطية، والتنمية منها براء. أمّا عن القوى «الاشتراكية» و«الشيوعية» فحدّث ولا حرج. نصفها منظمات «غير حكومية» والواقع أنها حكومية جداً، وليبرالية جداً، تخلط عن عمد بين مفهوم اليسار الثوري وبين «منظمات حقوق الإنسان»!

يقول غسّان كنفاني عن معضلة الأحزاب التي كانت جزءاً من أسباب الهزيمة عام 1967:

«إنّ المعاني التي تحملها اصطلاحات مثل الثورية والناصرية والاشتراكية والعدالة والديموقراطية والحرية لا حصر لها في الكتابات التي نطالعها كل يوم، ولذلك فإنه يبدو من مجرّد رصد هذه الكلمات ومصادرها أن جميع الأطراف متفقة تماماً على كل شيء، وما يثير الدهشة أن أحداً غير متفق عملياً مع الآخر! يبدو أننا في حاجة ماسّة إلى إعادة القيمة للكلمات كتعاريف محددة تعني شيئاً مُتفقاً عليه، وهي خطوة كانت لازمة لجميع شعوب العالم في أواخر القرن التاسع عشر وهي على عتبة انطلاقها نحو العصر. لقد باتت الاصطلاحات مجرد اغتراب وأدى هذا الصمم المتبادل إلى انعدام في قيمة الحوار».

ومن المتعذّر أن تجد اليوم في بلد عربي جبهة وطنية عريضة وموحدة تضُم «القوى اليسارية» على الأقل، أو تلك التي تنشد التغيير والتنمية و«الحرية» و«المساواة»! فحالة التمزق والشلل والعطب أصابت الجميع تقريباً، أحزاب ما قبل وما بعد النكبة والنكسة. لن تجد هذه الجبهة الوطنية الموحدة حتى داخل فلسطين المحتلة. فكل ما يفعله بنا العدو الصهيوني وما تفعله الإمبريالية وسلطة أوسلو العميلة لا يكفي لتحقيق وحدة اليسار الفلسطيني، أو وحدة القوى الوطنية على اختلاف مشاربها في جبهة وطنية للمقاومة والتحرير! إذا كان هذا هو واقع الحال في فلسطين لك أن تتصور حال «الوحدة الوطنية» في أي بلد عربي آخر.

ومن المفيد أن نشير هنا إلى تجارب أحزاب وحركات تحرر عربية خاضت معارك وقدّمت تضحيات كبرى في مواجهة الاستعمار وانتصرت عليه، هذه مسألة جديرة بالتأمل في عصرنا الرّاهن، لأسباب كثيرة معروفة، على رأسها: لماذا لم تحقق هذه الحركات الوطنية، التي انتصرت وتسلّمت مقاليد السلطة، شروط الاستقلال الوطني الناجز داخل وطنها القطري؟ لماذا لم تحصد الجماهير الشعبية ثمرة هذه الانتصارات التي صنعتها الشعوب بالدم والعذاب؟

إنّ أي قراءة صحيحة لتجربة حركة التحرر العربية سوف تساعدنا على معاينة فشل قيادة الأحزاب والقوى الوطنية في حماية إنجازات الشعب وتبديدها، شرط أن تكون قراءة نقدية ثورية، تعقد مصالحة مع التاريخ والحقائق الباردة أولاً، من باب النقد الذاتي العلني وقول الحقيقة. فالغوص في تاريخ حركات التحرر العربية التي كانت في يوم مضى أملاً وخلاصاً للشعوب في بناء مجتمع عربي ديموقراطي وبديل يجب أن يدفعنا إلى البحث في مآلاتها ومصيرها بعد أن تخلت عن دورها وأصبحت، في معظمها، أحزاباً ومعارضاتٍ شكلية مُدجّنة تتلطّى في عباءة السلطة. بعضها صار أداة للسلطة. بل صار السلطة.

الخوض في هذا العنوان الكبير يدعونا مُجدداً إلى دراسة الواقع العربي في أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية وغيرها خلال العقود الستة الأخيرة التي أعقبت هزيمة وعدوان حزيران 1967 وفي القلب منها مطحنة الدم في السنوات العشر الأخيرة، وما جرى من تعميق لواقع التجزئة وتراجع اليسار والقوى التقدمية تحديداً وتقاعسها عن مجابهة المشروع الإمبريالي الصهيوني الرجعي، ومشاركة بعضها في هذا التمزق الطائفي والمذهبي في العالمين العربي والإسلامي.

تراجع حركات التحرر الوطنية واغترابها الهويّاتي الفكري وأفولها عن المشهد النضالي، وعدم تلمس عذابات الجماهير والدفاع عن حقوق الناس، وعجزها عن تحديد معسكر العدو ومعسكر الصديق، وتراجع البرامج النضالية المرتبطة بمواجهة الحركة الصهيونية والرجعيات العربية، واختلاط الأولويات الوطنية، وغيرها من أسباب، فتحت المجال واسعاً أمام تردي الأوضاع العربية أكثر، فكان من الطبيعي أن نشهد ما شهدناه في العشرية الأخيرة من جحيم، ومعادلات جاهزة للتدمير الذاتي. وفي ظل غياب سلاح عربي بوصلته فلسطين، وهدفه تحريرها، كان من الطبيعي أن تولد «داعش» وأخواتها وتجر معها 100 ألف شاب عربي سيقاتلون العدو الخطأ في المعركة الخطأ في الميدان الخطأ. لم نعثر على صوت يشبه صوت كنفاني، يدلنا على الطريق، أو صوت يشبه فتحي الشقاقي الذي قال «الجهاد الإسلامي في فلسطين».

التاريخ النضاليّ المُشرّف لأي حزب ثوري عربي لا يكفي وحده حتى نُجيب على أسئلة الراهن الصعبة والمركبة، فالجماهير تريد أن تعرف واقعك وحالك اليوم. ولن يكون في وسع هذا التاريخ، مهما كان عظيماً مشرفاً، أن يُخفي ضعف الحزب وواقعه الرديء. هناك أحزاب يمكن إصلاحها، هناك أحزاب وقوى وتيارات وقيادات شاخت، وأخرى صار يجب أن تولد من جديد في كل أرجاء الوطن العربي المحتل من المحيط إلى الخليج.

إذا كان من واجبنا التعريف بنضالات وتاريخ الثوار والشهداء، والأسرى الذين صمدوا في السجون، والتعريف بتاريخ الحركة الوطنية المصرية والمغربية والتونسية والأردنية والسورية، وتضحيات شعب الجزائر وما قدمته حركات التحرر من مساهمة في حماية شعوبها وثرواتها، فإن هذا الواجب نفسه يدعو إلى البناء على هذا النضال بالمزيد من النضال والمزيد من التجديد ومواكبة العصر، وفي مسار ثوري عربي جديد يسير نحو المستقبل، تكون أولى مهامه: مواجهة الاستعمار الصهيوني والأجنبي والأنظمة العميلة وإعادة الاعتبار لحركة التحرر العربية ودورها التحرري في شقّيه الوطني والاجتماعي.

صندوق النقد يمنح الأردن شهادة ثقة في الإصلاحات رغم التحديات

صرف فوري لشريحة بقيمة 343 مليون دولار عقب المراجعة الخامسة.

العرب

كم قيمة الفاتورة؟

منح صندوق النقد الدولي ثقته بالاقتصاد الأردني نتيجة إصلاحات الحكومة رغم التحديات التي لا تزال قائمة لتعديل أوتار التوازنات المالية على النحو الذي لا يؤثر على معيشة المواطنين، بعدما عبرت شريحة منهم مؤخرا عن سخطها بشأن سوء إدارة ملف الوقود.

واشنطن/عمّان – تلقى الأردن دعما جديدا من المانحين الدوليين لاستكمال مسار معالجة التوازنات المالية والتي يعد إصلاحها مؤشرا لمدى جدية الحكومة في التعامل مع المشاكل الاقتصادية على الرغم من رفضها من قبل الأوساط الشعبية لشدة قسوتها.

وغلبت التقديرات الإيجابية على تقييمات صندوق النقد الدولي بشأن إدارة عمّان لملف الإصلاحات رغم أن مسؤولي البلد الذي يعتمد بشكل مفرط على المساعدات الخارجية أمامهم الكثير ليفعلوه قبل تثبيت أسس تنمية مستدامة تقطع مع السياسات القديمة.

وكافأ الصندوق الحكومة الأردنية، التي واجهت في الفترة الأخيرة احتجاجات ببعض المناطق بسبب سياستها في ما يتعلق بالوقود، بالموافقة على صرف فوري لشريحة جديدة بقيمة 343 مليون دولار من خط ائتمان متفق عليه قبل عامين.

ويرفع هذا القسط مقدار الأموال الممنوحة للأردن منذ بداية البرنامج في عام 2020 إلى 1.7 مليار دولار، أي 1.27 مليار من حقوق السحب الخاصة، وهي وحدة حساب صندوق النقد الدولي على أساس سلة من العملات.

وقال الصندوق في بيان عقب إنهاء المجلس التنفيذي للمؤسسة المراجعة الخامسة للبرنامج المدعوم من التسهيل الممدد إن “الأردن يواصل الانتعاش على نطاق واسع بفضل استجابة السياسات الفعالة للسلطات”.

ولكن نائب المديرة العامة للصندوق كانجي أوكامورا أكد على ضرورة تركيز السياسات على الحفاظ على الاقتصاد الكلي والاستقرار المالي، وحماية الطبقة الهشة، ودفع الإصلاحات لتعزيز العمالة والنمو والقدرة التنافسية.

وتمت الموافقة على ترتيب الأردن الممتد لأربع سنوات بما يعادل نحو 1.3 مليار دولار من قبل مجلس إدارة صندوق النقد في مارس 2020.

وزاد في أواخر يونيو العام الماضي إلى 1.49 مليار دولار، أي ما يعادل 312 في المئة من حصة الأردن في صندوق النقد.

ويقول خبراء إنه من المهم زيادة دعم المانحين لمساعدة الأردن على تجاوز الصدمات الخارجية السلبية في ظل الحرب في أوكرانيا من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتشديد الأوضاع المالية العالمية، حيث يواصل تحمل عبء استضافة 1.3 مليون لاجئ سوري.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أواخر نوفمبر الماضي تخصيص مساعدات تزيد قيمتها عن 845 مليون دولار للأردن عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

كما تعهدت واشنطن في الشهر ذاته بمنح البلد مساعدة مالية بقيمة إجمالية قدرها 10.1 مليار دولار حتى عام 2029.

ويواجه الأردن وضعا اقتصاديا صعبا مع معدل بطالة بلغ 22.6 في المئة خلال هذا العام، بحسب صندوق النقد، وترتفع هذه النسبة في صفوف الشباب إلى نحو 50 في المئة.

ويتخذ الدين العام منحى تصاعديا وهو يسير بوتيرة مقلقة، فقد تجاوز مئة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلد، الذي تضرر بشدة من تدفق اللاجئين السوريين مع افتقاره إلى الموارد الطبيعية واعتماده بشكل كبير على المساعدات الخارجية.

2.7 في المئة النمو المتوقع خلال 2022 و2023 إذا واصلت الحكومة برنامج الإصلاح

ومطلع 2021 أعلنت وزارة المالية عن تغيير منهجيتها في احتساب الدين العام بالاتفاق مع صندوق النقد بحيث يتم استثناء ديونها من صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي والبالغة أكثر من 9.9 مليار دولار.

واعتمدت الحكومة مفهوم دين الحكومة العامة، والذي يعتبر الدين من صندوق استثمار أموال الضمان والبلديات والهيئات المستقلة دينا من مؤسسات تابعة للحكومة.

وفي ضوء ذلك، لفت الصندوق إلى الجهود التي تبذلها الحكومة الأردنية وتحقيق انتعاش اقتصادي أفضل من المتوقع. ومن المرجح أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.7 في المئة للسنة الحالية والمقبلة مقابل 2.4 في المئة متوقعة سابقا.

ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل يرى خبراء المؤسسة المانحة أن الحكومة بإمكانها احتواء التضخم نسبيا في ظل السياق الدولي ليصل إلى 4.4 في المئة. وقال إنه “لا يزال التضخم معتدلا ومن المتوقع أن ينحسر في الفترة المقبلة”.

وتعتبر مشكلة الطاقة في البلاد أحد التحديات الأساسية التي تواجه الاقتصاد، حيث تبلغ في المتوسط خمسة مليارات دولار سنويا، وهي في ارتفاع مستمر مع الزيادة الاضطرارية في عدد سكان البلاد بنسبة 10 في المئة.

ويعتقد البعض أن زيادة التحويلات لدعم الأسر الفقيرة وخفض الضرائب على بعض السلع، وقيام مؤسسات القطاع الخاص بالحفاظ على العاملين لديها، واكتفاء التجار بجزء من الأرباح ستساعد في تقليص أثر الارتفاع في التضخم.

وأشار الصندوق إلى أن استمرار التعافي بعد الجائحة والتداعيات الإيجابية في منطقة الشرق الأوسط أديا إلى نمو أقوى خلال هذا العام ومن المتوقع أن يظل كذلك في عام 2023، خاصة وأن النظام المصرفي والمالي يتمتع بمتانة تجعله مصدا أمام التقلبات.

وأوضح خبراء الصندوق أن التوقعات على المدى المتوسط متأثرة بارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتشديد الأوضاع المالية، وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

وحول السياسة النقدية الذي يقود دفتها البنك المركزي، أوضح الصندوق أنها ترتكز بشكل مناسب على حماية ربط الدينار بالدولار.

وقال إن “البنك المركزي الأردني يواصل مراقبة جودة أصول البنوك عن كثب، ويجب أن تصبح مخططات الإقراض المدعوم أكثر استهدافا وأن يتم التخلص منها تدريجيا مع ترسخ الانتعاش، لزيادة تعزيز نظام مكافحة غسيل الأموال”.

وأكد على ضرورة الالتزام بتنفيذ البنود المتبقية في خطة العمل للخروج من قائمة مراقبة مجموعة العمل المالي.

كما أشار إلى أن إصلاحات قطاع الكهرباء والمياه ضرورية للحفاظ على استدامة المالية العامة.

وأوضح أن تنفيذ خطة العمل المعدة مع شركاء التنمية في الوقت المناسب يعتبر أمرا أساسيا لتقليل عجز شركة الكهرباء الحكومية بشكل موثوق، بالإضافة إلى أن هناك حاجة أيضا إلى جهود سياسية قوية لمعالجة ندرة المياه والخسائر والمتأخرات المستمرة للقطاع.

وكان الأردن قد أطلق الصيف الماضي خطة جديدة لمواجهة التحديات التي يواجهها تحت اسم “رؤية التحديث الاقتصادي”، ومدتها عشر سنوات، تقوم على النمو المتسارع من خلال إطلاق كامل الإمكانات الاقتصادية.

أميركا اللاتينية بين يسار صاعد ويمين متربص

عبد الرحمن شلقم

وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة

أميركا اللاتينية أرض التحولات والتغيرات بين الثورة والانقلابات والمعاناة.، لكنها في السنوات الأخيرة، عاشت حالة نسبية من الاستقرار.

في الأيام القليلة الماضية شهدت جمهورية البيرو، انقلاباً برلمانياً أزاح الرئيس بيدرو كاستيو، ونصَّب محله نائبته. كاستيو كان من زمرة الرؤساء اليساريين الذين يحكمون في أميركا اللاتينية. هناك 13 دولة يحكمها رؤساء يساريون، أي غالبية دول أميركا اللاتينية. 3 دول فقط يقودها رؤساء يمينيون، هي، الأوروغواي والباراغواي والإكوادور. اليسار وُلد في أميركا اللاتينية مبكراً. مقاومة الاستعمار الإسباني والبرتغالي، قادها يساريون مسلحون، وكان حلمهم توحيد دول القارة، وإقامة دولة واحدة قوية على غرار الولايات المتحدة الأميركية. قاد سيمون بوليفار ثورة مسلحة من أجل التحرير والوحدة، لكنه لم ينجح في تحقيق ذلك. بعد نجاح ثورة كاسترو وجيفارا في كوبا، انتعش اليسار اللاتيني ووصل عدد من قادته إلى الحكم. اتسم الحكم اليساري بالديكتاتورية والعنف، وسبّب ذلك تذمراً في صفوف العامة.

في تسعينات القرن الماضي، تصاعد المد اليساري بقوة. هوغو شافيز في فنزويلا، ولولا داسيلفا في البرازيل وفوستر كيرشنر في الأرجنتين وإيفون موراليس في بوليفيا، وعاد دانيل أورتيغا إلى الرئاسة في نيكاراجوا، ووصل خوسيه مورسيكا إلى الرئاسة في الأوروغواي، ثم خلفت ديلما روسيف لولا داسيلفا في البرازيل، ومادورو في فنزويلا بعد رحيل هوجو شافيز. لقد التقيت معظم هؤلاء الرؤساء، في ليبيا أو في بلدانهم أو في اجتماعات الأمم المتحدة. المشترك بينهم هو، الطموحات الوطنية الكبيرة، ويمكن أن نصفها بأنها، نوبة أحلام أو لنقل آمال ولكن تغيب عنها الرؤية الموضوعية والحقائق الواقعية. الحديث عن العداء للولايات المتحدة الأميركية، هو الحاضر الأبرز دائماً. المفارقة، أن أميركا اللاتينية، لم تغادر مستنقع الفقر، رغم الإمكانيات الضخمة التي تمتلكها. الحالة الاستثنائية التي نجح فيها رئيس يساري أن يحقق إنجازات تذكر، هي ما حققه الرئيس لولا داسيلفا في البرازيل. انتشل عشرات الملايين من ربقة الفقر، وحقق إصلاحات في التعليم والصحة، وارتفع بقدرات البرازيل الصناعية، وخلَّص بلاده من ديون صندوق النقد الدولي، وحافظ على غابات الأمازون. لم يدخل لولا في صدام مباشر مع الولايات المتحدة الأميركية، وانفتح على دول آسيا وأفريقيا. تعرّض لحرب ضروس من اليمين البرازيلي، ومن بينهم رجال الأعمال الكبار، ووجهت لهم تهم الفساد وانتهى به الأمر إلى السجن. لكنه عاد في الانتخابات الرئاسية الأخير بفارق بسيط جداً من الأصوات ضد الرئيس بولسينارو اليميني المتشدد.

الحالة اليسارية النقيضة لتجربة لولا داسيفا البرازيلية، كانت في فنزويلا التي قادها الرئيس اليساري الثوري الحالم هوغو شافيز ومن بعده خليفته مادورو. سقطت فنزويلا في عهديهما في هوة الفقر المريع، وصلت البلاد إلى حد المجاعة الرهيبة. هاجر الملايين من السكان إلى الدول المجاورة بحثاً عن رغيف الخبز الذي عزَّ الوصول إليه في بلادهم التي تعوم فوق محيط من النفط. القلة من المؤيدين للنظام فقط هم من يستطيع أن يحصل على حاجاته الحياتية. طغت في البلاد الشعبوية اليسارية الشعاراتية، وغابت برامج التنمية والتطوير، وغاصت البلاد في ظلام دامس، فلا كهرباء ولا غيرها من الخدمات التي تلبي حاجات الناس. تشكلت قوى معارضة واسعة داخل البرلمان وخارجه، لكن القمع الأمني، أنهك المعارضين، فاندفعوا إلى مغادرة البلاد. دعمت الولايات المتحدة قوى المعارضة اليمينية الفنزويلية، لكن مادورو وحزبه صمدوا وتمكنوا من البقاء في السلطة. كُتب الكثير عن الوضع الفنزويلي العجيب. بلد تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات من النفط في العالم، وشعبها يعاني من أكبر المجاعات التي يشهدها العالم اليوم، والأغرب هو قيام حكومة البلاد بتقديم النفط مجاناً إلى بعض الدول التي يقودها رؤساء يساريون. اليمين الفنزويلي رغم ما تعرّض ويتعرّض له من قمع، لا يزال يتربص بالحكومة اليسارية، ويعيد تنظيم نفسه لمواجهتها.

أدرك بعض قادة ومفكري اليسار اللاتيني، جملة من الحقائق التي طفت فوق الواقع، وما تعانيه الشعوب في دول حكمها أو يحمها يساريون، فقاموا بمراجعات جريئة، خاصة ما يتعلق بالتنمية وتوفير الخدمات للناس، وتوسيع مساحة الحرية والإبداع. قدم هؤلاء رؤية مستقبلية وخاصة في المجال الاقتصادي وكذلك مساحة الحريات، ومراجعات السياسية الخارجية.

رغم كل السلبيات التي شهدتها أميركا اللاتينية تحت حكم اليسار، فما زال يجد دعماً شعبياً واسعاً. لقد تحرك اليساريون في الوسط الشعبي بقوة، وخاصة بين الطبقة الكادحة، ووجدوا دعماً من اليسار اللاهوتي الذي يرفع شعار المسيحية الاشتراكية، لكن اليمين ما زال يعول على إخفاقات اليسار الاقتصادية، وينشر وعياً جديداً بين قطاعات الناس انطلاقاً من التغييرات التي يشهدها العالم وما حققته الدول التي تبنت الليبرالية الجديدة، وفتحت الدول بلدانها للاستثمار الخارجي، وأهمية إيجاد علاقة سلام وتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية. لا يزال اليمين اللاتيني يتربص ويتحرك بقوة عبر منظومة نشطة عابرة للدول من أجل إيجاد توجه عام يكبح قوة اليسار التي تتسيد المشهد السياسي.

المشاكل التي تواجه اليساري اللاتيني متعددة؛ فهو لم يخلّق برنامجاً يستوعب ما شهده ويشهده العالم من تغييرات وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الأنظمة الاشتراكية في شرق أوروبا، وما حدث في الصين من انفتاح وتطور رأسمالي حقيقي رغم وجود الحزب الشيوعي على هرم السلطة.

المعركة صامتة، لكنها قوية بين يسار سائد وصاعد في أميركا اللاتينية، ويمين متربص يعتقد أن رياح التغيير تتحرك لصالحه على المدى المنظور.

ستيف بيكو: «الوعي الأسود» بمواجهة العنصرية والاستلاب الثوري

محمد عبد الكريم أحمد

تنمو بين الشباب الأفريقي في الوقت الراهن نزعة وعي سياسي ومجتمعي ربما هي الأكثر انتشاراً وراديكالية من نوعها منذ نهاية «حروب» التحرر الوطني، أو على الأقل نهاية ستينيات القرن الماضي، وما قادت إليه من توافق غالبية النخب الأفريقية، بما فيها مؤسسات عسكرية ضعيفة التكوين، ظلت لعقود أسيرة «الحاضنة» الاستعمارية أو هوامش ضيقة من المناورة بعلاقات مع الكتلة الاشتراكية، مع قوى الاستعمار السابق.

وبينما حرصت فرنسا باستمرار على استشراف رؤى الشباب الأفريقي في دول نفوذها التقليدي في أكثر من مناسبة، كما تم في واغادوغو، أي لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بطلاب جامعة العاصمة البوركينية نهاية تشرين الثاني 2017، وتعبيره البلاغي في كلمته عن رغبته في الوقوف إلى جانب الشباب الأفريقي وأن يكون الشخص الذي يساعد أوروبا على اغتنام هذه الفرصة: «الاستماع إلى الشباب الأفريقي لاستخلاص أفضل ما فيه ووضع مقدراته لخدمة العالم أجمع»… فإن هذا التوجه جاء تجسيداً لمنحاها الكولونيالي الضمني في بنائها. وتكرر هذا الخطاب في مونبيليه (تشرين الأول 2021)، لكن نقاش ماكرون «على الهواء» مع 12 شاباً وفتاة من عدة دول أفريقية («انتقاهم» المؤرّخ الكاميروني البارز أتشيلي مبيمبي) برّز هذه المرة فجوة بائنة ومكشوفة للجميع بين «الخطاب الفرنسي الاستعماري الجديد» وواقع قناعات الشباب الأفريقي -حتى وسط نخبة تلقّت تعليماً أوروبياً رفيعاً، كما في حالة د. ستيف بيكو ورفاقه في حركة الوعي الأسود BCM في جنوب أفريقيا قبل عقود- بأن استمرار الرؤية الاستعمارية لدول قارتهم، مدعومة بنظم حكم طفيلية بامتياز، بات أمراً مرفوضاً وتجاوزه الزمن؛ الأمر الذي كشفت عنه الأحداث المتلاحقة في «مستعمرات» فرنسا السابقة من دعم شعبي وشبابي ملموس لأيّ تحركات سياسية تضع، ولو مرحلياً، مناهضة الهيمنة الفرنسية (والغربية) على أجندتها.

لكن، بطبيعة الحال، يظل هذا الوعي مرهوناً بتبلوره في خطوات على الأرض تضمن عدم تكرار «الاستلاب الثوري» الناجح عقب فورات سابقة، ما أعاق نجاح مشروعات التحرر الوطني في أغلب دول القارة وتوقفه، أو على الأقل تمكّن الإمبريالية الأوروبية-الأميركية، بامتداداتها الطبيعية داخل نخب أفريقية، من ضبط أيّ تفاعلات «ديموقراطية» بحيث لا تتجاوز عملية إعادة تدوير الهيمنة كما يبرز في هذا المقام. المثال الأوضح على ذلك في جنوب أفريقيا الراهنة مع قرب اكتمال العقد الثالث للتحول الديموقراطي بعد القضاء على النظام العنصري 1993-1994 دون تحقيق التحول المنشود، رغم زخم وتنوع حركة التحرر تاريخياً وحركياً، ومن أبرزها تجسيداً لتطلعات الشباب الأفريقي حينذاك حركة الوعي الأسود وزعيمها الشاب ستيف بيكو.

رسالة الثورة ضدّ «الثورة المضادة»

ظهر ستيف بيكو (1946- أيلول 1977) كصوت شاب «مثالي» ومتفرد واضح الملامح فكرياً وحركياً، وسط حركة تحرر أفريقي منقسمة على نفسها وفق اعتبارات إيديولوجية وقبلية وطبقية، وما ارتبط بها أحياناً من مصالح تكريس الهيمنة وأدوات العنصرية وإن بصور غير واعية في بعض الأحيان، داعياً، وسط تصاعد غضب عمّالي وطالبيّ منفصل نسبياً عن القيادة التاريخية لحزب المؤتمر الوطني بزعامة أوليفر تامبو بعد رحيل ألبرت لوتولي (رئيس المؤتمر الأفريقي 1952-1967)، إلى تجاوز هذه الاعتبارات كلية واعتبار أن الأسود (في جنوب أفريقيا) يعني الإنسان المقهور، وأن (هوية) «العرق» race تكون عبر تجربة تاريخية من القمع في سياق خاص. واستطاع بيكو، بجرأة بالغة، أن يزعزع النهج التوافقي الذي لجأت إليه نخبة «التحرر الوطني»، بداية من تصورات «رسولية مقدسة» قحّة تشرّبها لوتولي وعبّر عنها في عام 1960، الذي شهد نيله جائزة نوبل للسلام، بتأكيده استسلام الكنائس (دون فصل بين الأوروبية والأفريقية) للدولة العلمانية لوقت طويل للغاية، بل إن بعضها دعم الأبارتهايد. «ولم يفُت الوقت بعد على المسيحيين البيض للنظر في أناجيلهم وإعادة تحديد إيمانهم. إنني أحذّر من يعنون بالمسيحية، ومن يعنون بأن يجوبوا العالم ويبشّرون بالإنجيل، أن الفرصة في جنوب أفريقيا تبلغ (حتى الآن) 300 عام، وأنها لن تستمر إلى الأبد. إن الوقت ينفد».

واستغرقت لوتولي هذه التصورات في مؤلفه الشهير Let My People Go (1962) بتناص توراتي مألوف يشبّه تجربة السود في جنوب أفريقيا بتجربة «خروج» اليهود من مصر حسب النصوص المقدّسة، وبداية من اقتباس عنوان مؤلفه «أطلق شعبي (ليعيدوا لي في البرية)» (خروج 5: 1) وحتى إخلاصه -الذي لا يبارى بين نخبته- لدمج القيم المسيحية في النضال ضد العنصرية وغضّ الطرف عمّا لاحظه بيكو لاحقاً من تزييف الوعي «اللاهوتي العنصري»، وملاحظته الدالة سياسياً بعد أحداث سويتو 1976: «لطالما انفرد الربّ الأبيض بالحديث…»، ولقد جاء الوقت «الذي سيرفع فيه الرب الأسود صوته ويفرض على الجميع سماعه ويطغى على ضوضاء غريمه». واعتبر بيكو ضمنياً أن «كنائس السود» كانت في جوهرها واجهة سوداء بقيادة بيضاء حسب مبادئها وممارساتها وتطلعاتها، وهو نقد حاد للغاية ثبت لاحقاً -خاصة في مفاوضات التحول الديموقراطي نهاية الثمانينيات- صوابه رغم جهود محافل الكنائس الأوروبية والأميركية للتدليل على نقيض ذلك في السنوات التالية وانخراط هذه الكنائس في فرض تسوية لم ترقَ فعلياً إلى نضال أفارقة جنوب أفريقيا.

مثّل بيكو وحركة الوعي الأسود، كما رصد نايجل غيبسون في دراسة موجزة (1988)، جانباً مهماً من مرحلة جديدة في ثورة جنوب أفريقيا في عقد السبعينيات

وبشكل عام، فقد مثّل بيكو وحركة الوعي الأسود، كما رصد نايجل غيبسون في دراسة موجزة (1988)، جانباً مهماً من مرحلة جديدة في ثورة جنوب أفريقيا في عقد السبعينيات، ولا سيما أنها تكوّنت بالأساس من شباب سود تلقوا تعليماً جامعياً في كليات أسستها الحكومة العنصرية للسيطرة على عقولهم، بالتلاقي مع رؤية مؤسسي الحركة لأهمية عقل المقهورين. ويمكن القول إن عنوانها الرئيس كان ما ورد في مؤتمرها الافتتاحي في عام 1969 من تأكيد أعلى أن كلمة أسود تعني شعوراً جديداً بوحدة المقهورين وتحررهم، وتجاهل مصطلح «غير البيض» الذي عدّوه (مؤسسو الحركة الشباب) انتقاصاً من كينونتهم.

كما تبنّى بيكو، الذي وجد تفسيراً متسقاً مع مصالح بني وطنه لمواجهة العنصرية، أفكاراً تحررية تقاربت كثيراً مع الماركسية (بنسختها لدى فرانز فانون إن جاز التعبير) من جهة التأكيد المطلق على محورية دور الإنسان في النضال من أجل حريته، وبوعي أكبر من زملائه الذين تبنوا بعده أفكار «لاهوت التحرير الأسود» وفسروا تفسيرات الماركسية على تأكيد النزعة الإنسانية لدى ماركس، وحولوا اللاهوت الأسود إلى «سلاح نظري في أيدي المقهورين»، في تخفيف للأسس الطبقية للنضال التي عوّل عليها بيكو دائماً. ويمكن القول إن بيكو وحده واجه ثورة مضادة، بتعريفها المبسط كحركة لمواجهة التوجهات الثورية «الأصيلة»، من النظام العنصري، وجرت مقاربات الحركة الوطنية بقيادة حزب المؤتمر الوطني ودعم نقابي كبير بقيادة الزعيم النقابي البارز منذ مطلع الثمانينيات سيريل رامافوسا، الرئيس الحالي لجنوب أفريقيا ورفيق بيكو الإيديولوجي حتى حين.

«أيها الإنسان الأسود، أنت وحدك»

بدت اللحظات الأخيرة في حياة المناضل الشاب ستيف بيكو بعد اعتقاله عند حاجز مروري في 21 آب 1977 مروعة، إذ تكشّفت رويداً رويداً تفاصيلها بعد أعوام من مصرعه ومعاناته، ولا سيما بعد اعتراف أربعة ضباط من الأفريكانر Afrikaners (ذوي الأصول الهولندية) في مطلع عام 1997 بقتله وتقديم تفاصيل وملابسات الحادث. بأي حال، فقد تعرّض بيكو لتعذيب منهجي منذ اعتقاله بتهمة التخريب. وجاء التشخيص الطبي في صباح 7 أيلول 1977 لمعاينة «إصابات خطيرة في المخ» مضطرباً أيما اضطراب، رغم ما صرّح به د. لانج إثر معاينته منفرداً بيكو في مقر شرطة في بورت إليزابيث بأنه ليست ثمة أدلة على «عدم اعتيادية صحة المعتقل العامة». وجاء في تقرير طبي ثلاثي (ضم د. لانج، وكلاً من د. توكر، كبير جراحي المقاطعة، والطبيب المتخصص د. هيرش، وأُلحق لاحقاً بأوراق قضية وفاة بيكو المعروفة بقضية فيريافا Veriava) ملاحظة مستوى ضعيف من الوعي، وضعف في الساق والذراع اليسريين وثقل في الكلام. ورغم تفاصيل التقرير التي أشارت في مجملها إلى جلطة دماغية يقاومها جسد شاب، فإن بيكو لم يحظَ بعلاج طبي، وتدهورت حالة بيكو في 11 أيلول، حيث لاحظ د. توكر عند فحصه أنه يعاني من زيادة في التنفس وترغية عند الفم. ورغم وجود مستشفيات جيدة في بورت إليزابيث، أصرت قوات الشرطة على نقل بيكو إلى أحد مستشفيات السجون وكان أقربها في بريتوريا على بعد 700 ميل. ووافق د. توكر (الذي أفاد بشهادات مغايرة لاحقاً) على نقل بيكو على متن «لاندروفر» غير مجهزة طبياً، وتم حمل بيكو في 12 أيلول «وهو في حالة حرجة» (وعارياً كما روي لاحقاً وفي وقت يبلغ فيه متوسط درجة الحرارة الصغرى 12 درجة مئوية أو أقل) في رحلة شاقة، أو إعدام بطيء، تحمّلها بشق الأنفس التي لفظ آخرها عند وصوله إلى بريتوريا وإيداعه زنزانة جديدة.

وكما رفع بيكو، بنقاء ثوري واضح، شعار أن الإنسان الأسود يقف فعلياً بمفرده «Black man, you are on your own» وأن عليه النضال «وحده» لتحقيق حريته، فإن أيامه الأخيرة جسّدت أكثر من غيرها واقعية هذا الشعار، فقد شهد النضال الوطني في جنوب أفريقيا بعد عام 1976 مع تراجع حضور عماد هذه الحركة، المؤتمر الوطني الأفريقي، مقابل هبة عمالية وطالبيّة استمرت لأشهر طويلة، عمّقت من آلام الاقتصاد العنصري الذي كان يعاني بالفعل من كساد طويل أشبه بالكساد العالمي الكبير، وأدوار فعالة للنقابات والاتحادات الطالبيّة وصلت بالمطالب الوطنية إلى مستويات جديدة لم تدر في خَلد قيادات المؤتمر الوطني التقليدية بنيل حزمة من الحقوق.

رامافوسا وبيكو: أضغاث «حلم الإنسانية الحقة»

رثا الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوسا، في أيلول الفائت، بيكو لمناسبة ذكرى مصرعه الـ45 «المأساوي، وحيداً على سجادة بالية على أرضية صخرية في زنزانة سجن». وربط الرثاء، على نحو غائي ومصطنع، بالانتقادات الموجهة إلى نظامه وسط الشباب الجنوب أفريقي بتأكيده أنه بعد مرور 28 عاماً على الديموقراطية في جنوب أفريقيا «فإننا نواجه العديد من التحديات مثل الفقر والبطالة والتفاوت. ونتيجة لذلك، نفقد رؤية كيف وصلنا إلى تطبيق المبادئ التي تأسس حولها دستورنا، والتي دارت حول أفكار بيكو وتعاليمه».

وفي واقع الأمر، فإن الرثاء استعاد خطاب رامافوسا النقابي، حيث عمل في السبعينيات والثمانينيات نقابياً بارزاً قبل زواجه من تشيبو موتسيبي ابنة البليونير والزعيم القبلي الزولوي أوغستين موتسيبي وشقيقة باتريس موتسيبي (أغنى رجل أسود في جنوب أفريقيا) في عام 1996، مؤكداً: «علينا تذكر دعوته (بيكو) القوية للشعب ليكون هو من يصوغ تحرره، إن هذه الدعوة هامة الآن كما كانت في وقتها».

غير أن الرثاء يستدعي مفارقات محيرة؛ إذ إنه بينما كانت تعاليم بيكو تصاغ على نحو واضح بتأثير من أساتذته في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات، كان رامافوسا، ابن ضابط الشرطة الأفريقي البسيط صمويل رامافوسا، ينهي مرحلته الثانوية في سويتو (التي ولد فيها عام 1952) وانتُخب في مطلع السبعينيات رئيساً للحركة المسيحية الطالبيّة (وظل مخلصاً لتعاليمها)، ودرس القانون في جامعة نورث المخصصة للسود في شمالي الترانسفال. ولاحظ المؤرخ البارز توم لودج تمثيله لجيل جديد من قيادات المؤتمر الوطني الأفريقي باعتباره «ابن الأبارتهايد» بامتياز وليس ابناً لنخبة أفريقية. لكن دراسته الجامعية تعطلت بسبب مشاركته في حركة الوعي الأسود، حيث ترأّس باسمها فرع الجامعة للمنظمة الطالبية الجنوب أفريقية SASO، واعتُقل لمدة 11 شهراً في عام 1974 عقب ترتيبه مسيرة مؤيدة لجبهة التحرير الموزمبيقية «فريليمو»، وتوصل خلال احتجازه (حسبما أعلن مطلع التسعينيات في خضم عملية التحول الديموقراطي) إلى خلاصة أن إيديولوجية «الوعي الأسود»، باعتمادها على التحليل الطبقي وعدائها للراديكاليين البيض، قد اكتمل دورها تماماً وأنه «لا يمكنها أخذنا إلى نقطة متقدمة».

وجاء التحول الدراماتيكي في مسار رامافوسا عقب انتفاضة طلاب المدارس في عام 1976 واعتقاله لمدة ستة أشهر أخرى اضطر والده بعدها للاستقالة من الشرطة، فيما استكمل رامافوسا دراسته القانون بالمراسلة، وانضم بعدها إلى القسم القانوني بمجلس نقابات جنوب أفريقيا CUSA الذي ظهر في ذلك الوقت منافساً قوياً لاتحاد النقابات الجنوب أفريقية FOSATU الذي كان يمثّل خط العمّال السود المستند إلى أفكار الوعي الأسود باستبعاد البيض من مناصبه القيادية. وساهم رامافوسا بقوة في تأسيس الاتحاد الوطني لعمال المناجم NUM (1982) وتولى أمانته العامة للاستفادة من تشريعات علاقات العمل الصناعية التي طورت العمل النقابي في جنوب أفريقيا بعد فترة الكساد الاقتصادي المؤثرة في السبعينيات والتي كادت تقضي على نظام الأبارتهايد واقتصر تأثيرها على خلخلته بشكل واضح في العقد التالي.

وقاد رامافوسا، في نكوص عن مبادئ بيكو ووعيه الأسود ونضال العمال والطلاب الجنوب أفارقة، توجهاً «مستنيراً» داخل الدوائر العليا لعملاق التعدين الأنغلو-أميركي في البلاد، وقاد عملاً نقابياً ميدانياً متميزاً دفعه في عام 1985 للانفصال بالاتحاد الوطني عن مجلس النقابات للانضمام إلى مؤتمر لنقابات الجنوب أفريقية COSATU حديث التأسيس والموالي لأفكار المؤتمر الوطني الأفريقي «التوافقية» مع النظام العنصري، والذي انضم إليه رامفاوسا لاحقاً في عام 1986 مع احتفاظه بتوجهات سياسية ناقدة للمؤتمر كما في انتقاده الشهير لـ«ميثاق الحرية» باعتباره برنامجاً مرحلياً انتهى وقته، ثم توقيعه على عريضة (1989) تدين ويني مانديلا بتهمة قتلها طفلاً اختطفه حراسها، وإن تولى في العام التالي، بعد نجاحه في إحكام قيادته داخل أبنية تأييد المؤتمر الوطني الأفريقي البالغة التعقيد حينذاك، منصبَ الناطق الرئيس باسم لجنة الاستقبال الوطني المكونة عند خروج نيلسون مانديلا من السجن في عام 1990.

وتزامن مطلع التسعينيات مع الانتقال التدريجي لرامافوسا من طوابير العمال السود الكادحين، الذين مثّلوا القاعدة الانتخابية الأكبر لنجاح المؤتمر الوطني الأفريقي وحلفائه في الفوز في انتخابات الانتقال الديموقراطي 1994، إلى صفوف نخبة رجال الأعمال والسماسرة، السود والبيض على حد سواء، وإن ظلت قدراته القيادية حاسمة في شعبيته حتى انتخابه رئيساً للبلاد، فيما يواجه راهناً، وقد دخل عقده الثامن منتصف تشرين الثاني، تهماً عدة، حتى من قبل رؤساء ومسؤولين كبار سابقين بالمؤتمر الوطني والمعارضة، بالفساد والوصول إلى منصب الرئاسة عبر ديناميات الفساد المؤسساتي والمال السياسي.

ولا يمكن فهم «رثاء» رامافوسا لبيكو إلا في سياق محدد ووحيد، وبات تقليداً سياسياً أفريقياً بامتياز، وهو توظيف «ورقة» أفكار بيكو الثورية والتحررية، التي أعلن الأوّل قبل أربعين عاماً تقريباً عدم قناعته بجدواها الثورية، في الحفاظ على قاعدة شعبيته وسط العمال والفقراء السود الذين ازداد تهميشهم السياسي وقصر دورهم على كونهم «أداة رقمية» في الديموقراطية الجنوب أفريقية التي تقترب من إكمال عقدها الثالث.

خلاصة

يبدو واقعياً تماماً، وبمؤشرات تاريخية صادمة وواضحة للغاية من تجربة ستيف بيكو، ملاحظة أن الوعي الثوري في أفريقيا واجه طوال العقود الفائتة تحديات من داخل صفوف «القوى الوطنية» عوضاً عن المستعمر أو شبكات مصالحه في المتروبول أو الأطراف. ومن أبرز هذه التحديات، نجاح نخب قادت بلادها في فترات تحوّل مهمّة عقب الاستقلال أو مواجهة النظم العنصرية في فرض نسق قيمي خاص بها وبتفسيراتها للتحرر ورؤيتها التدريجية أو التوافقية مدعومة بتناص لاهوتي-ثوري ربما لا يفارق حدود الهيمنة العنصرية إلا قليلاً أو يعيد إنتاج تصوراتها مرحلياً (من بين تكتيكات الثورة المضادة) لتجاوز الحالة الثورية المنطقية وتهديداتها؛ وهي هنا عقد السبعينيات في جنوب أفريقيا بزخمه الثوري العمالي والطالبيّ الذي كان يبشر وقتها بسقوط النظام العنصري قبل قرابة عقدين من عام 1993-1994. وهي تجربة ربما تواجه مجمل وعي الشباب الأفريقي في الوقت الراهن وقابلة للتكرار حتى في ذروة الجماح الثوري في بؤر أفريقية متنوعة ولاعتبارات كثيرة ليس أقلها عجز «النقاء الثوري» عن تجاوز توجهات «النخب الوطنية» القائمة عضوياً على أجواء المجتمعات الكولونيالية، والمتدثّرة بمسحة دينية «تبريرية» ومفصّلة لهوى هذه النخب.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى