فن وثقافة

سيكولوجية الجماهير في رواية «أولاد حارتنا».

في هذا العمل نجد ان شخصيات المصلحين تبدأ من ادهم وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة وحنش وكل هؤلاء المصلحين عدا ادهم كانوا في مواجهة صعبة مع الجمهور ونفسياتهم المختلفة واهوائهم المتشتتة ورغم اختلافهم وتعدد طبقاتهم فانه قد نستطيع ان نحصر نقاطاً عدة تحاول أن تجمع نفسيات الجماهير وإن اختلفت طبقاتهم وهذه النقاط هي:

  1. سرعة تأثر الجماهير وسذاجتهم وتصديقهم

من المميزات الأخرى التي تمتاز بها الجماهير سرعة تفاعلهم وتأثرهم بالاقتراحات وتصديقهم للإشاعات وتضخيمها، وهؤلاء أنفسهم رغم اختلافهم، فإن تصديق أفراد معدودين لإشاعة معينة تكفي لبثها بين الأعم الأغلب من الجمهور وهذا ما يسمى بالعدوى الجماهيرية، فجماهير الرواية تسير بينهم الحقائق والإشاعات مسرى النار في الهشيم، فبسرعة البرق انتشر خبر استخدام جبل للثعابين وحيله ضد الفتوات وعوائلهم.

  1. تضخيم وتبسيط عواطف الجماهير

تمتاز الجماهير بتضخيم مشاعرهم، سواء كانت مشاعر جيدة ام سيئة فانها تكون مشاعر مضخمة جدا وبسيطة جدا بسبب انها غير ناتجة من تفكير عقلاني، وانما ردات فعل تجاه حوادث خارجية.. فهم في نفس الوقت الذي ابدوا تعاطفهم مع رفاعة وبشكل كبير جدا الا انهم لم يقوموا باي ردة فعل بعد مقتله على ايدي الفتوات، وذلك لانها مشاعر بسيطة غير عقلانية.

  1. سرعة انفعال الجماهير وخفوتها

يحلل المفكر الفرنسي غوستاف لوبون سرعة انفعالات الجماهير وخفتها ويعللها بانها واقعة تحت تاثير النخاع الشوكي (المسؤول عن الافعال الانعكاسية) اكثر مما هي واقعة تحت تاثير المخ (المسؤول عن الافعال الارادية)، وبالتالي تكون افعالهم واقعة تحت التاثيرات والمحرضات الخارجية.. واذا لم يوجد المؤثر تبقى الجماهير على طبيعتها دون اي حركة او اثارة، لذلك نجد ان الكاتب وصف حال حارة بني حمدان والحارات الاخرى قبل ان يأتيهم جبل ويخلصهم من شقاوة العيش واتاوات الفتوات بالوصف التالي: «لا تسأل عما أبقى اباءنا او عما يبقينا نحن – بهذه الحارة اللعينة؟ الجواب يسير لن نلقى في الحواري الاخرى الا حياة أسوأ من الحياة التي نكابدها هنا، والادهى من ذلك اننا محسودون». وفي محل اخر ايضا وبنفس حارة بني حمدان يقول: «وعلى ذلك كله فنحن باقون، وعلى الهم صابرون، نتطلع الى مسستقبل لا ندري متى يجيء».. فما دام لا يوجد مؤثر خارجي فان هذه الجماعة باقية على حالها متكيفة مع الهم والغم والشقاء.

ما بين الحقّ والباطل

  1. تعصب الجماهير واستبداديتهم ونزعتهم للمحافظة

العقائد المتشكلة عن طريق التحريض اما ان تكون صحيحة مطلقة او باطلة مطلقة، ولا يجد عندها منطقة وسطية بين الصح والخطا، لان احكامهم ناتجة من ردات فعل غير عقلانية، وبالتالي تكون هذه الجماهير متعصبة ومستبدة بارائها لدرجة كبيرة جدا، ولا تقبل النقاش باي جزئية من قناعاتها. من الصعوبات التي واجهها جبل في مواجهته مع الناظر وفتواته هو جمهوره الذي اراد ان يخلصهم من حياة البؤس والذلة والفقر والمهانة، وذلك لتحفظهم وعدم استعدادهم للتغيير رغم بؤسها وفداحة العيش فيها.

  1. أخلاقية الجماهير

تمتلك الجماهير نوعين من ردات الفعل تجاه الاخلاقيات، فمن جانب ان كل فرد فيها مستعد للتضحية والذوبان بالاخرين ولا يرى لنفسه وعلمه اي اهمية فان هذه الجماهير في نفس الوقت للكثير منها ميول اجرامية تحريضية.

بمعزل عما قيل عن الرواية، فان قراءتها من وجهة نظر الأدب تجعل القارئ يتفاعل مع الاشخاص المصلحين ومع الصعوبات التي واجهوها في طريقهم نحو تغيير حال المجتمعات من حال الى حال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى