تقارير ودراسات

الملف الصحفي الفلسطيني والعربي والدولي

تداعيات ضم إسرائيل للضفة الغربية وتقويض السلطة الفلسطينية

القدس العربي

نبهان خريشة

في أول قرارات لها بعد توليها مقاليد الحكم في إسرائيل، قررت حكومة نتنياهو سحب بطاقات الـ “في آي بي” من عدد من مسؤولي السلطة الفلسطينية، لاحتفائهم بإطلاق سراح المعتقل المحرر كريم يونس. وردا على التحرك الفلسطيني لمطالبة محكمة العدل الدولية، لإبداء الرأي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، كما قررت أيضا اقتطاع مبلغ نحو 40 مليون دولار من عوائد الضرائب، التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية، لتذهب لصالح من تزعم أنهم متضررون من العمليات الفلسطينية.

عائدات الضرائب

إن الاقتطاع من عائدات الضرائب ليس جديدا، إذ يأتي ضمن سلسلة من القوانين والقرارات، التي أقرها الكنيست والحكومات الإسرائيلية السابقة، من بينها الاستمرار في اقتطاع مبلغ يعادل ما تدفعه السلطة الفلسطينية رواتب للأسرى وأسر الشهداء، لكن الجديد فيه، أنه يأتي من حكومة اليمين المتطرفة، التي تضم بعضويتها كلا من رئيس حزب “القوة اليهودية” إيتمار بن غفير، ورئيس حزب “الصهيونية الدينية” بتسلئيل سموتريتش، اللذين يتوعدان بالعمل على تفكيك السلطة الفلسطينية، وإعلان السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

والسؤال هنا: هل ستعمل الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة على تفكيك السلطة الفلسطينية وضم الضفة الغربية؟ وما هي التداعيات المترتبة على ذلك فيما لو تم فعلا؟

إن حكومة نتنياهو الحالية ليست كحكوماته السابقة، التي اعتمدت استراتيجية “إدارة الصراع” مع الفلسطينيين، إذ عملت تلك الحكومات على امتداد أكثر من عقد من الزمن، على تقويض حل الدولتين، وحددت وظائف السلطة الفلسطينية من خلال التعامل بانتقائية مع بنود اتفاق أوسلو، بتفعيل ما يصب في مصلحتها، وتعطيل ما هو في صالح السلطة الفلسطينية، للإبقاء عليها ضعيفة ومحاصرة ماليا، ومعتمدة على الدول المانحة، ذات الأجندات التي تخدم إسرائيل، والأهم من ذلك، أن تعمل السلطة لديها كوكيل في خدمة مصالحها الأمنية.

تقليص الصراع

سياسة نتنياهو “لإدارة الصراع “، أو سياسة “تقليص الصراع” التي تبناها نفتالي بينيت لاحقا، هما علامتان تجاريتان للمنتج نفسه، تهدفان للحفاظ على الحكم الذاتي (السلطة الفلسطينية)، دون تهديد للأمن الإسرائيلي، وتمزيق الوحدة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية، بخلق “كنتونات” فيها، وعدم التوصل إلى معاهدة سلام قد تفضي لقيام كيان سياسي فلسطيني، أيا كان شكله.

إلا أن لدى سموتريتش خطة أخرى، هي “حسم الصراع ” مع الفلسطينيين، مستلهما فيها شخصية “يهوشع بن نون” الدينية الدموية، الذي تخبرنا أساطير التوراة أنه دمر مدنا كنعانية، وأباد سكانها وحرث أرضها بالملح.

إن سموتريتش وشريكه بن غفير، يعملان على إعلان السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية كاملة، على أساس أنها لليهود دون غيرهم، بعد تفكيك السلطة الفلسطينية، وعدم منح الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أي حقوق مدنية أو سياسية، وتخييرهم بين الهجرة أو البقاء كحطابين وسقائين لليهود حسب الرواية التوراتية.

إن لسموتريتش ولبن غفير اليد العليا في حكومة نتنياهو، الذي يسعى للبقاء في السلطة بأي ثمن، لتجنب دخول السجن بسبب تهم الفساد التي تلاحقه، ما سيجعله يرضخ لتوجهاتهما بشأن حسم الصراع مع الفلسطينيين، وكما وردت في الاتفاقيات الائتلافية بين حزب “الليكود” وحزب سموتريتش ”الصهيونية الدينية” وحزب بن غفير ”القوة اليهودية”، حيث نصت هذه الاتفاقيات على أن “لليهود دون غيرهم الحق غير القابل للتصرف في أراضي فلسطين كافة؛ من البحر إلى النهر، وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، دون تحديد جدول زمني.”.

خطة سموتريتش

وإذا ما تم اعتماد خطة سموتريتش لحسم الصراع، وانهارت السلطة لفلسطينية، فإن إسرائيل ستعيد احتلالها العسكري المباشر لمناطق (أ) التي تخضع “اسميا” للسلطة، وهي بذلك ستكون مجبرة للتكفل بالمتطلبات الاقتصادية والصحية والاجتماعية والتعليمية، لأكثر من أربعة ملايين فلسطيني، حسب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ما سيكلفها نحو 6 مليارات دولار سنويا، بحسب ما أفاد به الصحفي الإسرائيلي داني روبنشتاين في مقال في صحيفة “غلوبس” الاقتصادية، ويضيف ” أن إسرائيل ستدفع ثمناً اقتصادياً باهظاً؛ نتاج تدهور الأوضاع الأمنية المتوقع في أعقاب تفكيك السلطة الفلسطينية.”.

وإذا اختار نتنياهو ضم الضفة الغربية كاملة لإسرائيل، أو ضم أكثر من ثلث مساحتها، وفقا لبرنامج حكومته السياسي، الذي جاء فيه حرفيا ” أن توقيت الضم يترك لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مع اختيار الوقت المناسب، ومع الأخذ بعين الاعتبار الحسابات القومية والديبلوماسية الدولية لإسرائيل”، فإن ذلك سيضع علاقات إسرائيل بالفلسطينيين على مسار أكثر عنفا من أي وقت مضى.

الحكومة الأكثر دموية

لا شك أن حكومة نتنياهو- سموتريتش – بن غفير، تعد الأكثر دموية وتطرفا تجاه الفلسطينيين، كما تشير اتفاقاتها الائتلافية، مما يزيد من التوقعات أن الفترة المقبلة ستشهد اتساع دائرة المواجهة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعاظم المقاومة فيها، ما سيعيد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي للمربع الأول، على الرغم من تطمين جهات أمنية وسياسية ومراكز أبحاث إسرائيلية، من أن نتنياهو سيمنع سموتريتش وبن غفير، من الإقدام على خطوات من شأنها “هدم المعبد على رؤوس أصحابه”، كما فعل سابقا مع وزير الجيش أفيغدور ليبرمان في حكومته في عام 2016 ، وأنه سيحافظ على علاقات أمنية واقتصادية مع السلطة الفلسطينية.

خلافات على البؤر الاستيطانية… ومساعٍ للجم المتطرّفين: حكومة نتنياهو في مِرجل الانقسام

أحمد العبد 

تزداد التظاهرات المناوئة لحكومة بنيامين نتنياهو زخماً أسبوعاً بعد آخر، فيما يسارع قطبا اليمين المتطرّف فيها، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموطريتش، إلى تنفيذ مخطّطاتهما، خصوصاً في ما يتّصل بالاستيطان. وهي مخطّطات يعترضها حراك أميركي – أوروبي يفضّل الحفاظ على الوضع القائم، فيما تبدو الحكومة التي أُقيل ركن من أركانها، هو أرييه درعي، امتثالاً لقرار المحكمة العليا، على أعتاب انقسام من شأنه أن يُلقي بظلاله على عمرها

رام الله | لم تُكمل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية شهرها الأوّل، حتى بدأت تغلي في «مرجل» الخلافات والصدامات الداخلية، وهو ما من شأنه أن يُلقي بظلاله على عمرها. وتزامناً، تقود الولايات المتحدة حراكاً سياسياً لتحجيم مخطّطات أقطاب «الصهيونية الدينية» في الحكومة، والتي سُجِّلت أولى انتكاساتها بخضوع نتنياهو إلى قرار محكمة الاحتلال العليا بإقالة وزير الداخلية، أرييه درعي، من منصبه، يوم أمس.

وعلى هامش زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي، جايك سوليفان، إلى إسرائيل، سُجّلت أولى المواجهات المباشرة بين وزير الأمن الإسرائيلي يوآف غالانط، ووزير المالية بتسلئيل سموطريتش، على خلفية إخلاء بؤرة «أور حاييم» التي أُقيمت، ليل الخميس/ الجمعة، تيمّناً بحاخام «الصهيونية الدينية»، حاييم دروكمان، على أراضي قرية جوريش في محافظة نابلس، وذلك على رغم مطالبات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وسموطريتش، غالانط بعدم الإخلاء. وأَلقى هذا الصدام بأثره على الجلسة الحكومية التي عُقدت، أمس، وقاطعها وزراء حزب «الصهيونية الدينية»، فيما تأخّر عنها رئيس «حزب شاس» أرييه درعي، الذي صدر في حقّه قرار من محكمة الاحتلال العليا بمنْع تولّيه أيّ منصب وزاري، وهو الأمر الذي تجاهله نتنياهو في كلمته الافتتاحية، بينما قرّر، خلال الجلسة المغلقة، إقالته من منصبه امتثالاً لقرار المحكمة.

أزمة داخل «الائتلاف»

بدا واضحاً تجاهُل نتنياهو للملفّات التي وَضعت حكومته في مِرجل الغليان في مستهل جلسة الحكومة، إذ لم يتطرّق إلى ملفّ درعي وقرار المحكمة العليا إقالته، وامتناع وزراء «الصهيونية الدينية» عن حضور الاجتماع، أو توسُّع التظاهرة الأسبوعية ضدّ حكومته التي جرت في تل أبيب، بمشاركة أكثر من 130 ألف شخص، بل هو اكتفى فقط بالحديث عن نتائج مباحثاته مع سوليفان حول أهميّة توسيع اتفاقات التطبيع مع الدول العربية، وتحديداً السعودية، والتحدّيات الأمنية الإقليمية التي تواجهها دولة الاحتلال، وخصوصاً من جانب إيران.

ومن شأن إقالة درعي، معطوفةً على الخلاف بين سموطريتش وبن غفير من جهة، وغالانط من جهة أخرى، أن يلقيا بظلالهما على مستقبل حكومة نتنياهو، والتفاهمات التي أُبرمت وقادت إلى تشكيلها، في ظلّ تضارب الصلاحيات، ودعْم رئيس الحكومة توجّهات وزير الأمن، استجابة للضغوط الأميركية الممارَسة عليه. وفي هذا السياق، قالت صحيفة «إسرائيل اليوم»، إن وراء عملية إخلاء البؤرة الاستيطانية، كان طلب مستشار الأمن القومي الأميركي، الحفاظ على الهدوء على الساحة الفلسطينية، على رغم أن هذا الصدام قد لا يطيح الحكومة في الوقت الراهن، لكنه يشكّل خطوة أولى على طريق تصدُّع «الائتلاف».

وعلى رغم رضوخ بن غفير وسموطرتيش قسراً لقرار غالانط إخلاء البؤرة الاستيطانية، إلّا أنهما سيثيران العديد من الملفّات في تحدٍّ لرئيس الحكومة ووزير الأمن. وسيطلب وزير الأمن القومي، خلال جلسة الحكومة، إخلاء الخان الأحمر في أسرع وقت ممكن، على القاعدة التي انطلق منها غالانط في إخلاء البؤرة الاستيطانية، وهي تنفيذ القانون (يُفترض أن تقدِّم الحكومة، بحلول نهاية الشهر الجاري، ردّها إلى المحكمة العليا حول عدم تنفيذ الإخلاء). وبحسب تعليق المراسل العسكري لصحيفة «معاريف» على التوتّرات الحكومية التي صاحبت إخلاء البؤرة الاستيطانية في شمال الضفة الغربية، فإن ذلك «كان متوقّعاً، فهذا الحدث ليس سوى بداية لأحداث مقبلة، الفجوات في هذه الحكومة كبيرة جداً، فتعليمات سموطريتش حدث صغير يمثّل التعقيد داخل هذه الحكومة». أما المعلّق العسكري، يوسي يهوشوع، فقال: «كان واضحاً أننا في مسار تصادمي، لا يمكن أن يكون للجيش الإسرائيلي قائدان، ففي ساحة حسّاسة مثل الضفة الغربية، يصبح كل حدث تكتيكي حدثاً استراتيجياً ضخماً».

انخفضت نسبة المتفائلين في ما يتعلّق بمستقبل الكيان، إلى 49%

مواقف دولية رافضة لتوجّهات الحكومة

التحرّك الأميركي لِلَجم اندفاعة حكومة نتنياهو التي ستتوَّج في الأسابيع المقبلة بزيارة وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، ترافق أيضاً مع رسائل أوروبية ردّاً على مخطّطات بن غفير لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، بعد زيارة قام بها نحو 30 ديبلوماسياً غربياً إلى «الأقصى» برفقة الأوقاف الإسلامية، في خطوة أغضبت إسرائيل التي وجّهت انتقادات شديدة للاتحاد الأوروبي والدول التي شارك ديبلوماسيوها في الجولة التي جرت من دون التنسيق مع إسرائيل وبتجاهل كامل لها. وجاءت الجولة بعد ساعات فقط من اعتراض شرطة الاحتلال للسفير الأردني في تل أبيب، ومنْعه من دخول المسجد الأقصى. وكتبت القنصلية البريطانية عبر حسابها في «تويتر»: «شاركنا في جولة في المسجد الأقصى مع ديبلوماسيين يتّفقون مع وجهات نظرنا لإظهار دعمنا للوصاية الأردنية على الأماكن المقدّسة المسيحية والإسلامية في القدس. إنّنا نواصل دعْم الوضع الراهن التاريخي الذي يسمح للأديان الإبراهيمية الثلاث بالعمل في المدينة القديمة».

وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة «إسرائيل اليوم» عن الناطق باسم الخارجية الإسرائيلية، قوله إن «هذه زيارة غير مسؤولة، ويمكن أن تؤدّي إلى استفزاز وتحريض. وزارة الخارجية عملت وتواصل العمل عبر القنوات الديبلوماسية لمنْع الخطوات التي من شأنها أن تؤدّي إلى التصعيد، وأوضحت للاتحاد الأوروبي الخطورة التي تراها في هذه الزيارة». وتحمل زيارة الديبلوماسيين رسائل عدة لإسرائيل: التأكيد أن الأردن هو الوصي على المسجد الأقصى، ورفض مزاعم السيادة الإسرائيلية عليه، ورفض اقتحام بن غفير للأقصى الذي جرى قبل أسبوعين، كما رفض تغيير الوضع الراهن.

تزايد التظاهرات ضدّ الحكومة

وكما كان متوقّعاً، ازدادت حدّة التظاهرات المناوئة لحكومة نتنياهو؛ فقد تظاهر، مساء السبت، حوالى 130 ألف شخص في تل أبيب، وأمام منزل الرئيس في القدس، وأمام مبنى البلدية في بئر السبع، وفي مركز حوريف في حيفا، بمشاركة رئيس المعارضة يئير لابيد، ووزير الأمن ورئيس الأركان سابقاً، موشيه يعالون، والرئيس السابق لـ«الشاباك» عامي أيالون. ويتّهم المحتجّون، ائتلاف نتنياهو بالانقلاب على النظامَين القضائي والقانوني لتبرئة ساحة قادته المتّهمين والمدانين بتهم تشمل الفساد وتبييض الأموال، ويرفضون خطط الحكومة للحدّ من سلطات القضاء. وقال لابيد: «ما نراه هنا اليوم هو تظاهرة تأييد للدولة. تظاهرة للدفاع عن الدولة، أتى إلى هنا اليوم أناس يحبّون الدولة للدفاع عن ديموقراطيتها ومحاكمها والدفاع عن فكرة الحياة المشتركة والصالح العام. يتواجد هنا عشاق إسرائيل الذين جاؤوا للتظاهر من أجل دولة يهودية ديموقراطية وفق قيم وثيقة الاستقلال، ولن نستسلم حتى ننتصر». من جهته، اعتبر يعالون أن «الدولة التي يُعين فيها رئيس الوزراء جميع القضاة، ويكون مسؤولاً عن ترقيتهم وعزْلهم، لها اسم واحد – إنها تسمّى ديكتاتورية. وعندما يكون رئيس الوزراء هذا متهمّاً، أيضاً، وتتّهمه دولة إسرائيل بارتكاب جرائم خطيرة، يسمى – دكتاتورية المجرمين. التشريع الذي يحوّل إسرائيل إلى ديكتاتورية، يكون فيها المتّهم بارتكاب جرائم هو الذي يعيّن القضاة – من الواضح أنه تشريع غير قانوني».

وتشير المعطيات على الأرض إلى أن التحدّيات التي تعصف بحكومة نتنياهو لا يبدو أنها ستنتهي قريباً، بل ستزداد سخونة بما قد يترتّب عليها نتائج تخلخل أركانها، إذ يَظهر أن الاحتجاجات الداخلية ضدّ الحكومة تزداد زخماً أسبوعاً بعد آخر، كما أن أطماع بن غفير وسموطريتش وإصرارهما على حيازة صلاحيات ذات علاقة بالشرطة والاستيطان ستصطدم بمحاولة نتنياهو وغالانط عدم إثارة غضب المجتمع الدولي، وتحديداً الولايات المتحدة، وتحديداً في ملف ّالاستيطان. وانعكس أداء الحكومة على توجهات الرأي العام الإسرائيلي، إذ أَظهر استطلاع للرأي نشره «المعهد الإسرائيلي للديموقراطية» أن هناك تشاؤماً كبيراً في صفوف الإسرائيليين، خلال السنة الأخيرة، حول مستقبل الكيان، وأن عام 2022 شهد تراجعاً كبيراً في نسبة المتفائلين في ما يتعلّق بمستقبل الكيان، وانخفضت النسبة إلى 49%، وذلك في مقابل 76% في عام 2012، كما بيّن المؤشّر أن وضع إسرائيل العام، تمّ تصنيفه، بين المستوطنين، على أنه جيد جدّاً بين عامَي 2003 و2018، إلّا أن المؤشّر انقلب بين عامَي 2018 و2022، حيث بدأ بالتراجع من 53% إلى 25%.

“فاسدون ومتعصبون”: الصراع على النظام الإسرائيليّ… وليس الحُكم

رامي منصور

يقول إسرائيلي إن الصراع الجاري في الدولة هو نتيجة أن “فاسدين ومتعصبين (فاناتيم)” التقوا في سدة الحكم. التقت مصالحهم بإجراء التعديلات لتطويع القانون والنظام. فإذا أراد بنيامين نتنياهو تطويع المحكمة العليا والقضاء نتيجة محاكماته بالفساد، فإن اليمين القومي الديني المتعصب يريد تطويع النظام والقانون لأيديولوجيته ومشاريعه.

نظرية “الفاسدون والمتعصبون” صحيحة، لكنها تفسر التوقيت ولا تفسر الأرضية المجتمعية التي يجري عليها الصراع في إسرائيل.

والأرضية المجتمعية لخّصها الرئيس الإسرائيلي السابق، الليكودي رؤوفين ريفلين، في مقابلة صحافية بتحذيره من “الثأر” أو “الانتقام”. وكذلك حذّر منها صاحب نظرية “إدارة الصراع” مع الفلسطينيين، اليميني المحافظ ميخا غودمان. تحذيرات الاثنين من الثأر مختلفة قليلا، لكنها مرتبطة.

حذّر ريفلين من ثأر القوى اليمينية الصاعدة، سياسيًا واجتماعيًا، من النخب العلمانية الليبرالية التقليدية الحالية التي هيمنت على مؤسسات الدولة والمجتمع منذ تأسيسها، أي النخب الأشكنازية. يحذر ريفلين من تصفية حسابات تاريخية قد تغير شكل النظام القائم، رغم أنه كان من أبرز المهاجمين للمحكمة العليا في التسعينيات، والعقد الأول من الألفية الحالية، ويؤيد إجراء تعديلات قانونية تتعلق بمكانة المحكمة العليا، لكن دون الإخلال بتوازن فصل السلطات.

أما غودمان، فالثأر الذي يعنيه هو الثأر من “الثورة الدستورية” التي أجراها رئيس المحكمة العليا السابق، أهارون باراك، مطلع التسعينيات، بثورة دستورية متسرعة وراديكالية ودون توافق، لا تؤدي إلى تغيير دستوري طويل الأمد، وتنعكس على تغيير في النظام كما هو مطلوب، بل قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في النظام السياسي، بحيث تلغى مع صعود المعسكر الآخر للحكم وهلمّ جرًّا.

ويخلص إلى أن الفكر اليميني المحافظ هدفه حماية المستقبل، فيما الثأر هو محاولة تسوية أو تصحيح غبن حصل في الماضي.

استثمر نتنياهو منذ توليه رئاسة الحكومة لأول مرة في العام 1996، التحولات الديمغرافية وتبعاتها الاجتماعية، لإعلان الحرب على النخب الأشكنازية المهيمنة. ففي العقود الأخيرة، ارتفعت نسبة اليهود الشرقيين في المجتمع الإسرائيلي، وكذلك اليهود الأرثوذكس المتزمتين (حريديون)، وحتى نسبة العرب الفلسطينيين في إسرائيل، وأتباع الصهيونية الدينية والمستوطنين، ما أفقد قدرة أي فئة أو طرف، فرض هيمنته على المجتمع ومؤسسات الدولة كما كان منذ تأسيس إسرائيل، بحسب باحثين إسرائيليين.

استثمر نتنياهو ذلك من خلال استهداف النخب الأكاديمية والقضائية والإعلامية، تحت ذريعة دمقرطة ولبرلة مراكز القوى في الدولة، وصولا إلى بناء تحالف سياسي عريض مع كل الفئات التي كانت تعتبَر مهمشة ومضطهدة سياسيا واجتماعيا من دولة الأشكناز والكيبوتسات، من شرقيين وحريديين ومستوطنين، تجمعهم نسبة عالية من التدين أو المحافظة الاجتماعية (“تقليديون”)، مكّنه ذلك أخيرًا من رئاسة الحكومة بدعم 64 عضو كنيست وهي الأكثر تدينًا، وهي عملية سياسية واجتماعية استغرقت نحو عقدين ونصف العقد، لتشعر هذه القوى بأن من حقها اليوم إجراء التعديلات اللازمة على النظام السياسي، لأنها تحظى بأغلبية ديمقراطية، وقاعدة مجتمعية عريضة تمثل أكثر من نصف المواطنين اليهود.

لقد تزامن صعود نتنياهو للحكم في أواسط التسعينيات، مع إجراء انتخابات مباشرة لرئيس للحكومة لأول مرة، وهو ما عزز من قوة الأحزاب الصغيرة التي تمثل شرائح مجتمعية محددة وتمارس سياسات الهوية الإثنية والدينية، مثل “شاس” والشرقيين، وإضعاف الأحزاب الرئيسية العلمانية الكبرى مثل العمل والليكود. وعلى الرغم من إلغاء الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة، إلا أنه لم يعد بالإمكان إعادة الخريطة الحزبية إلى الوراء، وعلى الرغم من رفع نسبة الحسم في انتخابات الكنيست، وهو ما عزز من التصويت على أساس الانتماء لجماعة محددة أو الهوية الجماعية، الدينية أو الإثنية أو الاستيطانية مثلا، على حساب التصويت من منطلق مصلحي – نفعي فردي وقناعات فردية محافظة أو ليبرالية أو علمانية، يسارية أو يمينية.

وأظهر بحث للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية عن علاقة التدين بالمواقف اليمينية وأنماط التصويت بين اليهود، شمل 21 استطلاعا أجراها المعهد لنحو 11 ألف و500 مصوت يهودي في الانتخابات الـ24 للكنيست في آذار/ مارس عام 2021، أن 89 في المئة من الحريديين المشاركين في البحث، قالوا إنهم صوتوا لـ”شاش” و”يهدوت هتوراة”، والبقية منهم صوتوا لليكود و”الصهونية الدينية”. وقال نحو الثلثين ممن عرفوا أنفسهم بالمحافظين – التقليديين (وهم غالبا من الشرقيين) إنهم صوتوا لليكود و”يمينا” و”الصهيونية الدينية” والأحزاب الحريدية، وأقل من الثلث قالوا إنهم صوتوا لأحزاب “الوسط – اليسار”.

اليمين الحاكم اليوم ليس لونًا واحدًا، بل تتنوع فيه التوجهات ما بين التعصب القومي الديني، والتوجه الديمقراطي المحافظ، والعلماني الليبرالي اقتصاديًا، والمعادي للمرأة والحداثة، لكنه يجمِع على مسألة الاستيطان والتهويد والسيطرة على كل البلاد، وعدم التسوية مع الفلسطينيين، وكذلك على علاقة الدين بالدولة، وعدم إمكانية فصلهما، وحتى الجهات التي تؤيد حقوق الفرد الليبرالية، تخضع هذه الحقوق ليهودية الدولة.

ديمقراطيّة غير ليبراليّة

مشكلة اليمين الحاكم مع الديمقراطية بأنها ليبرالية، فالأولى تضمن حكم الأغلبية وهي الجماعة اليهودية، فيما الثانية تحمي الفرد من طغيان حكم الأغلبية، أي تقوّض حكم الأغلبية اليهودية. لذا، إنّ المحكمة العليا تمثّل وفق نظرهم الشقّ الثاني، الليبرالي، بادعاء أن القضاة غير منتخبين من الشعب أو ممثلي الشعب، ولا يمثلون كل شرائح الشعب، بل هم نخبة فوق القانون، ولا يخضعون لأي سلطة رقابية حقيقية، فيما يخضع ممثلو الشعب، أي البرلمان، لتدخّل المحكمة العليا التي بمقدورها إلغاء القوانين، أو قرارات حكومية إدارية، وحتى إقالة وزراء كما حصل مع أرييه درعي مؤخرًا.

الحديث عن دمقرطة مراكز القوى بما فيها المحكمة العليا، ليس بدافع تحقيق أكبر قدر من المساواة والعدالة، بل إن مجموعة سياسية محددة، هي اليمين الحاكم، ترى أن لديها الأغلبية السياسية والمجتمعية، تطالب بـ”دمقرطة” هذه المراكز، أي “تمثيل متساوٍ” (ديمقراطي) لشرائح المجتمع المختلفة، لأنها مدركة مسبقًا بأنها تحظى بالأغلبية في أوساط هذه الشرائح. أي هو مطلب مساواتي ديمقراطي بالشكل، ولكن هدفه طغيان جماعات محددة على الفرد، أو طغيان وهيمنة جماعات محددة على هذه المراكز باسم الأغلبية السياسية والمجتمعية، دون علاقة للقيم التي تحملها هذه الجماعات، وهي قيم إما محافظة اجتماعيًا، أو متعصبة قوميًا ودينيًا، وغير ديمقراطية عمومًا.

تقدميّون رجعيّون… ما موقع العرب مِن أو في الصراع؟

ليست المظاهرات الضخمة في تل أبيب مؤخرًا، وهي ملفتة بحجمها، مظاهرات احتجاجية على نتائج الانتخابات الأخيرة، أو على تعديلات دستورية فقط، بل تعكس صدعًا اجتماعيًا أو مجتمعيًا في إسرائيل، قائما منذ سنوات، بحيث باتت شرائح واسعة كانت الأغلبية مرّة، تشعر بأنها تخسر الدولة ونظامها السياسي والاجتماعي العلماني الليبرالي الصهيوني، تحديدًا بعد حسم اليمين للانتخابات الأخيرة بشكل واضح.

لم يعد المجتمع الإسرائيلي متناغما أو متشابها كما كان في السابق. فعلى ما يبدو، لم تصمد سياسة “بوْتَقة الصهر” المجتمعية أمام التحولات الديمغرافية الاجتماعية، التي هي أيضًا تحولات في القيم والأفكار والتوجهات السياسية التي تحملها شرائح المجتمع، سواء في شكل التدين أو العلمانية أو الديمقراطية والليبرالية، وينعكس ذلك في أنماط الحياة، وفي الحيز العام وحدوده، وغيرها.

وانضمام قطاعات مختلفة للمظاهرات، مثل قادة صناعة الهايتك الإسرائيلية، وكبرى مكاتب المحاماة، وأطباء، يؤكد أن هناك قلقًا حقيقيًا على مصير النظام السياسي في إسرائيل، قد يحوّلها لدولة منبوذة في الغرب، ويخسِرها الاستثمارات لدرجة المقاطعة من قبل الشركات الكبرى، نتيجة عدم الاستقرار الداخلي.

ومطالب المتظاهرين ليست إصلاحية أو ثورية أو حتى تقدمية، بل هي مطالب بالمحافظة على الوضع القائم في النظام السياسي؛ نظام الفوقية اليهودية، مع تجاهل تام لممارسات هذا النظام على نصف سكان هذه البلاد من غير اليهود، أي السكان الأصليين وأصحاب البلاد، والسيطرة على مصيرهم بالقوة، والقتل اليومي، والتهجير، وغيرها.

والمحكمة العليا “الليبرالية” بقيادة باراك، قامت بشرعنة هذه الممارسات والفوقية اليهودية، وتبييضها أمام الرأي العام الغربي، ووفرت الحماية للجنود من الملاحقة الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب. وليبراليتها تنحصر أساسًا في حسم الخلافات داخل نظام الفوقية اليهودية، وتمنع طغيان الأغلبية على الفرد (اليهودي غالبًا).

قال القاضي باراك في محاضرة في المؤتمر العالمي للعلوم اليهودية في العام 1997، إن جمع شتات اليهود والاستيطان هي من قيم الأساسية وعلى رأس سلم أولويات إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. لكنه يضيف بشكل قاطع في عدة بنود، أن “دولة يهودية، هي دولة تتبنى قيم الحرية والعدالة والاستقامة والسلام من إرث إسرائيل. دولة يهودية هي دولة تستقي من التقاليد الدينية، والتوراة هي الكتاب الرئيسي بين كتبها، أنبياء إسرائيل هم أساس أخلاقيتها. دولة يهودية هي دولة تلعب فيها الشريعة اليهودية دورًا مهمًا، وتقوم فيها قوانين الزواج والطلاق بموجب قانون التوراة. دولة يهودية هي دولة تعتبر قيم توراة إسرائيل والتراث اليهودي وقيم الشريعة اليهودية من بين قيمها الأساسية”. (مقتبس لدى عزمي بشارة في كتاب “من يهودية الدولة حتى شارون – دراسة في تناقُض الديمقراطية الإسرائيلية، مؤسسة “مواطن”، 2005). والحديث عن التوراة والتقاليد وإرث إسرائيل والأنبياء وقيم الشريعة اليهودية تبدو اليوم كأنها محصورة بمتطرفين مثل سموتريتش أو بن غفير، لكن قائلها هو صاحب “الثورة الدستورية” الليبرالية، وجاءت عليها “وثيقة الاستقلال”.

وتعريفات باراك المذكورة، هي إعادة تدوير للنص “وثيقة الاستقلال” الإسرائيلية، وينص قانون أساس القضاء (1980) على أنه في حال وجود ثغرة قانونية استثنائية، فإن المرجعية القانونية لسد الثغرة تكون قيَم الشريعة اليهودية.

لكن ما فعله باراك وأثار حفيظة قضاة في المحكمة منذ أواسط التسعينيات، بأنه حاول اعتماد القيم الليبرالية في مواجهة الثغرات الاستثنائية من خلال قوانين أساس (شبه دستورية) تتعلق بحقوق الفرد والمواطن، إلا أنه أبقى على فوقية يهودية الدولة على ديمقراطيتها. ولم تكن مساعي باراك هذه بدوافع ليبرالية صرفة، بل كانت بهدف الدفاع عن سمعة إسرائيل دوليًا، خصوصًا في ظل الصراع مع الفلسطينيين، لكنه حصرها في المواطنين الإسرائيليين فقط، وأخضعها لتعريف إسرائيل كدولة يهودية أو دولة الشعب اليهودي أولا. وعلى هذا الأساس شرعت وأجازت المحكمة العليا قانون القومية العنصري، وحللت ممارسات الاحتلال في الضفة وغزة، من الاستيطان والمصادرة، حتى منع لم شمل العائلات والاعتقالات الإدارية وغيرها.

إذًا، المظاهرات في تل أبيب هدفها الحفاظ على الوضع القائم، أو كما سماه المؤرخ الإسرائيلي شلومو زاند، “الإثنوقراطية الليبرالية”، ومن ذلك يُشتقّ السؤال: ما موقع المواطنين العرب ِمن وفي هذا الصراع، بين “الإثنوقراطية” و”الإثنوقراطية الليبرالية”؟

ليست مسألة المشاركة العربية، الفردية أو الحزبية -وهي قليلة في كل الأحوال- في هذه المظاهرات، مسألة حرام أو حلال، ولكنها تدفع إلى السؤال: كيف لعربيّ يرى بنفسه تقدميًا أو ثوريًا، أن يدعم مظاهرات تدعو للمحافظة على الوضع القائم للفوقية اليهودية، حتى لو كانت ليبرالية وعلمانية إلا أنها إثنوقراطية؟

يتجاوز السؤال “التكتيك الانتخابي”، أو خطورة الحكومة الجديدة على الفلسطينيين عمومًا، إنه يتعلق بالهوية والشخصية السياسية. فمن الغرابة أن يقبل من يرى نفسه تقدميًا، الخضوع لمظاهرات سقفها “يهودية وديمقراطية”، فلا عتب على منصور عباس بذلك، فهو يعلن استسلامه وخضوعه لدولة اليهود في كل مناسبة، لكن الغريب العجيب أن يكون المرء تقدميًا ورجعيًا في الآن ذاته (لا علاقة للتشاؤل بذلك)، “يناضل” تحت سقف المطالبة المحافظة (محافظ) على الفوقية اليهودية “الليبرالية”، ويريد أن يكون شريكًا في ذلك، ويعتب على المنظمين تهميشه أو تهميش كلمته أو خطابه.

صحيح أن العرب ضد تسييس القضاء مثلا، وضد سيطرة اليمين الفاشي على المحكمة العليا، لكن ليس مقابل القبول بشروط الصراع الداخلي الصهيوني، أو الخضوع لسقف “النضال” من أجل المحافظة على “اليهودية والديمقراطية” أو “الإثنوقراطية الليبرالية”.

يبقى المطلوب منا عربيًا، التنظُّم والحراك الشعبي، بدل الالتحاق بركب الآخرين، في صراعات يشعلها “فاسدون ومتعصبون”.

حملة الخطاب الأممي للرئيس أبو مازن

الكاتب: د. رمزي عودة

يتمتع الرئيس أبو مازن بمصداقية وثقة عالية لدى الأوساط الدولية، فهو الرئيس الذي يمثل الدولة المحتلة الوحيدة في عالم الحداثة ويناضل من أجل استقلالها، وهو الرئيس الذي نجح في إصراره على ثوابته الوطنية ان تظل قضية شعبه قضية العالم أسره، تحاكي ضمير العالم وتذكره بمسؤوليته تجاه الشعب الفلسطيني الذي تعرض ويتعرض باستمرار لجرائم الاحتلال الصهيوني. لقد انتصر أبو مازن على الآلة الإعلامية للحركة الصهيونية، وأظهر للعالم أجمع زيف الرواية الصهيونية، ونجح بإقتدار في كشف جرائم السلطة القائمة بالاحتلال “إسرائيل” ضد شعبه في المحافل الدولية. ومثل خطابه الشهير في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة 77 تعبيراً حياً عن ذلك الانسان المناضل والمتمسك بالثوابت والداعي لمقاومة الاحتلال والكاشف لجرائمه . كان خطاباً سياسياً وقاونياً وانسانياً بإقتدار. أعلن فيه الرئيس عن جملة من المبادئ التي طالب فيها المنظومة الدولية بتبنيها من أجل إنصاف الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال لأراضيه. وتضمنت هذه المبادئ حق تقرير المصير، ومناهضة كافة أشكال الاضطهاد والأبرتهايد الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني.

وبرغم دعوة الرئيس أبو مازن الأمين العام للأمم المتحدة بإعداد خطة عاجلة لانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة من أجل عرضها على الجمعيىة العامة للأمم المتحدة لإقرارها وتنفيذها وفقاً لصلاحية قانون “السلام” الخاص بالجمعية العامة، الا أن الأمين العام لم يقم بإعداد هذه الخطة حتى الآن، ولم يتم تبني مبادئ حل الصراع من قبل المنظومة الدولية، كما لم تتم مساءلة إسرائيل عن أي من جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.

وفي إطار معالجة حالة الترهل الدولية تجاه تحقيق العدالة للشعب لفلسطيني الذي طالب بها الرئيس الأمم المتحدة، تصاعدت التحركات الشعبية وشبه الرسمية من أجل تبني خطاب السيد الرئيس السابق في الجمعية العامة. وتقود مثل هذه التحركات لجنة حقوق الانسان التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية لتطلق نواةً للعمل الدولي لصالح خلق جبهة دولية أكاديمية وبرلمانية وأهلية وحزبية سياسية، كي تستطيع أن تنتج حركة عالمية للضغط على المنظومة الدولية لصالح تبني خطاب الرئيس. واللافت في هذه الحركة أنها إعتمدت تعميم نموذج القوة الناعمة لإقناع المناصرين الدوليين بضرورة الضغط على حكوماتهم من أجل الاعتراف بدولة فلسطين كعضو كامل في الأمم المتحدة، ومن أجل مطالبة هذه الحكومات بالضغط لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

بإعتقادي، إن مثل هذه الحركة العالمية التي أطلقت لمناصرة خطاب الرئيس والقيم التي يدافع عنها، ستستطيع أن تشكل جبهة دولية تنقل الفعل المقاوم الفلسطيني من الساحة الفلسطينية الى الساحة الإقليمية والدولية. ليس هذا فقط، ففي حال نجحت هذه الحركة العالمية في دمج جهود كل المناصرين الدوليين للقضية الفلسطينية، فإنها ستشكل أكبر حركة دولية سياسية وإجتماعية في العصر الحديث، تماماً مثل الحركة الاشتراكية الدولية التي أنشأت وتصاعدت في القرن الماضي. وسيكون عنوان هذه الحركة العالمية النضال الانساني من أجل تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني… النضال من أجل مواجهة الصهيونية كحركة عنصرية.. النضال من أجل مواجهة معاداة الفلسطنة. وفي المحصلة، ستشكل نقطة فارقة في إنصاف الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرضه.

إسرائيل وإيران: تداعيات معاناة الداخل وتحديات الخارج

سام منسى

في الشرق الأوسط قوتان إقليميتان هما إسرائيل وإيران تعانيان أزمات داخلية، وتواجهان تحديات خارجية كثيرة. إسرائيل مع حكومتها الجديدة الأكثر يمينية وثيوقراطية في تاريخها، جنحت إلى اليمين المتشدد وربما العنيف الذي اكتسب شرعية إثر انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت، ويصعب التكهن بتداعيات ذلك، وما إذا كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قادراً أو مستعداً حقاً لكبح جماح وزرائه القوميين المتدينين الأكثر تطرفاً. الأزمة الداخلية تكمن في تشابك عدد من العوامل؛ كالحفاظ على الديمقراطية والحريات الدينية والمدنية الفردية واحتمال التصادم بين الشرائح العلمانية والدينية والغليان لدى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وعرب إسرائيل. أما التحديات الخارجية فأبرزها تأزم العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن ومع يهود «الدياسبورا»، وبخاصة الأميركيون منهم، والتطبيع المستجد مع عدد من الدول العربية، إضافة إلى قضايا إقليمية شائكة يتصدر لائحتها نشاط إيران النووي ودورها التوسعي في المنطقة، إلى التجاذبات الحادة في العلاقات الدولية المترتبة على الحرب الأوكرانية.

إيران ليست بحال أفضل، بل أوضاعها أشد تعقيداً وصعوبة من إسرائيل؛ بسبب العزلة الدولية والعقوبات المتصاعدة والمتوسعة المفروضة عليها، لا سيما بعد دخول أوروبا على خطها إثر وحشية قمع النظام للاحتجاجات المستمرة منذ أربعة أشهر، وتنفيذه أحكام الإعدام، وأحياناً بصورة علنية، بحق بعض المحتجين، ومحاولته اغتيال بعض المعارضين في الخارج من مواطنيه مزدوجي الجنسية. تواجه إيران في آن واحد أربع مشاكل رئيسة؛ أولها تدهور الحالة الاقتصادية والمالية الذي يعد عاملاً مؤججاً للمشكلة الثانية وهي حركات الاحتجاج التي من المرجح ألا تخبو. قد تخفت قليلاً إنما ستتواصل لتشكك أكثر في شرعية النظام، وتهدد وجوده بشكل غير مسبوق. المشكلة الثالثة هي ما يلوح في الأفق من شقوق لا تزال كامنة بين أركان النظام، ظهرت ملامحها مع إعدام علي رضا أكبري بتهمة التجسس، وما قد يتبعه من تصفيات. المشكلة الرابعة خارجية بامتياز أضافت إلى زعزعة إيران لدول الإقليم انخراطها في الحرب الأوكرانية إلى جانب روسيا، في خطوة بدأت بتزويدها بالمسيّرات والصواريخ القصيرة المدى، إنما لا يُعرف كيف ستنتهي بعد حصول طهران على مقاتلات «سوخوي – 35».

السؤال الذي تثيره الأوضاع في كلا البلدين: هل هي في صالح دول الإقليم أم العكس؟ هل انشغال تل أبيب وطهران في مشاكلهما الداخلية والخارجية سوف يثنيهما عن التطلع إلى الخارج أم أن العكس صحيح، بحيث تدفعهما إلى تصديرها باختلاق المزيد من القلاقل والنزاعات وربما الأعمال العسكرية مع الخارج وحتى بينهما؟ الإجابة الحاسمة متعذرة وتقتضي التمعن أكثر بحقيقة أوضاع البلدين الداخلية.

في إسرائيل، إذا استطاع نتنياهو تجاوز عقبة تهم الفساد والمحاكمة، فقد يتسع هامش مناوراته ويحاول التغلب على المتطرفين في حكومته؛ لا سيما مع الضغوطات الكثيرة الداخلية من الرأي العام والقضاء والخارجية، خصوصاً من واشنطن. عندها قد تتحول اتفاقية الائتلاف المتشدد بشأن السياستين الداخلية والخارجية اللتين رسمتهما، إلى مجرد وعود انتخابية أكثر منها سياسة يمكن تطبيقها على أرض الواقع. ويمكن الترجيح هنا أن يكون ما نصت عليه اتفاقية الائتلاف مع نتنياهو من ضم كامل للضفة الغربية من دون الإعلان عنه رسمياً، غير مطروح. يضاف إلى ذلك استعداد المعارضة للانقضاض على نتنياهو عند أول إشارة لخلاف في حكومته، وبدأت الانقسامات الداخلية داخل المعسكر اليميني المتشدد تظهر مع اعتبار زعيم فصيل «ديجل هاتوراه» المتشدد موشيه غافني، أن زيارة إيتمار بن غفير الأخيرة إلى الحرم القدسي انتهاك للقانون اليهودي «واستفزاز لا داعي له وغير مجدٍ». يضاف إلى ذلك أن قرار المحكمة العليا الطلب من نتنياهو إقالة وزير الداخلية أرييه درعي بسبب إدانته في قضية جنائية، بمثابة صفعة لنتنياهو. وإذا ما قدر لرئيس الحكومة تجاوز التجاذبات الداخلية، فيبقى أمامه الشأن الفلسطيني، وحتى اليوم، يبدو أن الأجهزة الأمنية مصممة على تجنب نزاع مسلح آخر مع «حماس» في غزة، بينما الحكومة الجديدة تفرض في الوقت عينه عقوبات مالية إضافية وعقوبات سفر ضد السلطة الفلسطينية في تناقض مريب.

أما بشأن العلاقات مع الدول العربية المطبعة، فنتنياهو مصمم على الحفاظ عليها وتطويرها، لكن الكرة اليوم بيد دول عربية تنبهت لصعوبة التقارب مع إسرائيل بلا اعتبار للشأن الفلسطيني، بل يبدو أن طموحات الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستدفع بعض اللاعبين الإقليميين الأساسيين إلى مراجعة حساباتهم بشأن الالتحاق بعملية التطبيع. إلى هذا، يسعى نتنياهو لجذب الأنظار إلى إصراره على استخدام كل الوسائل المتاحة لمنع إيران من التحول إلى دولة نووية، ملوّحاً بصاعق التفجير المتبقي، أي العمل العسكري، وهو العالِم بأن دون ذلك عقبات جمة؛ أبرزها عدم حماسة واشنطن لنزاع مسلح مع إيران، وتفضيلها في هذه المرحلة مواصلة الضغوطات الدبلوماسية وسياسة العقوبات. أميركياً، من غير الواضح ما إذا كان نتنياهو سيوافق على تفاهمات مع واشنطن تخالف طموحات شركائه في الائتلاف، وقد تستمر التباينات مع البيت الأبيض.

في إيران، ما يحصل ليس بالجديد، فقد سبق لنظام الملالي أن قمع بالقوة المفرطة احتجاجات كثيرة على مدى السنوات الـ43 المنصرمة من عمره، وينبغي التذكير بأنه شهد منذ قيامه تباينات وخلافات أبرزها ما سمي «الفتنة» سنة 1989 أدت حينها إلى تنحية علي حسين منتظري وإلى حملات اعتقال وإعدام قضت على رموز أساسية في ثورة الخميني.

بالنسبة للعقوبات الاقتصادية، آن الأوان للاعتراف بأن هذا النظام يتعايش معها رغم آثارها الاقتصادية السلبية الهائلة ومعاناة الطبقات الأكثر فقراً؛ إذ إن علاقات طهران مع روسيا والصين والعراق وتركيا وغيرها، شكلت لها منافذ للالتفاف عليها، ويبدو أن الغرب متردد أو عاجز عن إجراءات إضافية لتمكينها وتفعيلها.

تبقى مخاطر التفجير من الجانب الإيراني في استعماله لحلفائه وأذرعه في دول نفوذه بالمنطقة كأدوات ضغط؛ خدمة لمصالحه، وللحفاظ على مكتسباته وعلى نفسه. لا شك في أن المشاكل الداخلية في أي دولة تحد من تدخلاتها في الخارج، لكن الحالة الإيرانية خاصة؛ لأن العلاقة التي نسجتها مع أذرعها في المنطقة أزالت الحدود بين الداخل والخارج، وأصبحت بيادق لحماية وجود النظام عبر الأدوار المحلية المولّجين بها. وينسحب الأمر نفسه على إسرائيل التي منذ المحرقة النازية لليهود تُدفّع الغرب ثمن جرائم هتلر، وتستخدم حلفاءها الغربيين لحماية مصالحها.

في المحصلة، الذي يمكن توقعه بسبب الأزمات الداخلية للدولتين المتخاصمتين والأكثر قرباً في آن لجهة العامل الديني ونهضة التشدد القديم – الجديد في إسرائيل، يتوقف إلى حد كبير على واشنطن، وقوة الضغوط التي سوف تمارسها على حكومة نتنياهو التي تشكل تهديداً لمصالحها في المنطقة، وحتى عائقاً أمام قدرتها على الدفاع عن إسرائيل وحمايتها وفق ما درجت عليه منذ تأسيس هذه الدولة. كذلك تصويب البوصلة الأميركية باتجاه التشدد إزاء ما يحصل داخل إيران وسلوكها المزعزع في الخارج، عبر تشديد العقوبات واستخدام دبلوماسية العصا ما دامت هي الخيار المعتمد، ويجدر التنويه بمسعى تصنيف الاتحاد الأوروبي «الحرس الثوري» كمنظمة إرهابية، مع الخوف من أن يحفز طهران على إبراز مخالبها، والمنطقة ليست بمنأى عنها.

أهلا أهلا أولادَ عمومتنا

محمد علي طه

في العام 1995 مباشرة بعد أن اغتال شابٌّ يهوديّ متديّن يمينيّ متطرّف إسحاق رابين، رئيس حكومة إسرائيل، كتبتُ مقطوعة ساخرة “ستاند أب كوميدي” قدّمها إمّا الفنّان محمّد بكري أو الفنّان سليم ضوّ قلت فيها: إنّ دولة إسرائيل قدّمت أوراق اعتمادها كي تكون دولة شرق أوسطيّة، فمن المعروف للقاصي والدّاني أنّ قادة إسرائيل ومثقّفيها، والأغلبيّة السّاحقة من مواطنيها، وإعلامها على أنواعه، يعتقدون ويؤكّدون ويتصرّفون على أنّهم دولة غربيّة وأمّا موقعها في الشّرق الأوسط فهو خطأ جغرافيّ، فبيوتها غربيّة وكذلك موسيقاها وغناؤها ومسرحها وسينماؤها وأدبها وزراعتها وعسكرها وطعامها على الرّغم من استيلائها على الفلافل والحمّص والمجدّرة وعلى مئات الكلمات العربيّة مثلما استولت على الأراضي والمدن والقرى.

ويبدو أنّ ساستها ووزراءها ورؤساء أحزابها قرّروا أن يقطعوا شوطا في “التّشريق” بعد اتفاقيّات “ابراهام” بقيادة الغائب الحاضر دونالد ترامب، وبعدما صارت العلاقات “خوش بوش” مع بعض العرب..!!

رئيس حزب “شاس” الرّابي ارييه درعي، الرّجل الصّالح ذو الرّاحتين النظيفتينّ مثل ندى الكرمل، الذّي قضى قبل عقدين ثلاث سنوات نقاهة في سجن الرّملة، وخرج طاهرا طهورا مثل حمام مكّة،..!! عاد إلى عادته القديمة ومدّ راحته في بلدة الصّفصاف، وهو يقول ما دمنا سرقنا الصّفصاف، أرضا وبيوتا وشجرا وحجرا فما المانع أن نلطش شيئا ما، ومع أنّ الرّابي درعي ذكي جدّا وشاطر جدّا ولا يعلق إلّا الشّاطر، فقد قضت محكمة العدل العليا أنّه لم يحذف لا الناهيّة من وصّية “لا تسرق” وأنّه غير مؤهّل للوزارة على الرّغم من أنّه ذو وزارتين كبيرتين وليس وزارة واحدة، ولكن ماذا يفعل الرّابي المحترم واسم والده مخلوف وليس ماسكوفتش أو غولدبرغ؟

وبما أنّ كرسي الوزارة موقوف لآل درعي فقط ولن يجلس عليه غريب فسوف يتوزّر ابنه يعقوب الذّي يدلّعونه “يانكي” ويعمل موظّفا في إحدى الشّركات ويتقاضى راتبا شهريّا متواضعا مقداره 50 ألف شاقل فقط، صدّقوا أو لا تصدّقوا، وسوف يختار المحروس يانكي إمّا وزارة الصّحّة وإمّا وزارة الدّاخليّة وبعد عامين سوف يأخذ وزارة الماليّة “حبّة مسك”.

هناك أخبار تأتي من شارع بلفور تفيد أنّ السّيّد نتنياهو، رئيس الوزراء، وبإلحاح من صاحبة الصّون والعفّة السّت سارة سوف يرشّح وليّ العهد يائير لرئاسة حزب الليكود فرئاسة حكومة إسرائيل لأنّ الزّوجين يعتقدان أنّ كرسي رئاسة الحكومة “خصّ نصّ” لآل نتنياهو الذّين لا يعرفون عملا آخر.

نحن نعيش في عصر الإعلام والتّكنولوجيا ولا شيء مستور او مُخبّأ، ولا بدّ أن يعلم أصدقاء نتنياهو برغبته وبرغبة سيّدة اسرائيل الأولى وسوف يفرحون ويسعدون ويباركون، كما سيعلم أصدقاء ابن مخلوف بذلك، وهو شرقيّ مثلنا أيضا، وأمّا أنا العبد الفقير لله تعالى وابن اللاجئ الميعاريّ الذّي عرف القلّة والجوع بعد النّكبة فلا يسعني إلاّ أن أقول: بالأصالة عن نفسي وبالنّيابة عن المطبعين من بني جلدتنا: أهلا أهلا أبناء عمومتنا في شرقنا الغالي.

رجل أعمال يهودي يشتري 520 دونمًا من أراضي الكنيسة اليونانية في القدس

القدس/ “القدس العربي”

كشفت صحيفة إسرائيلية عن أن رجل الأعمال اليهودي الأمريكي غاري بورنيت اشترى ما لا يقل عن 520 دونمًا من أراضي الكنيسة البطريركية الأرثوذكسية اليونانية في أحياء الطالبية و”رحافيا” بالقدس المحتلة، مقابل 750 مليون شيقل.

وكشف الملحق الاقتصادي لصحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية، بحسب ترجمة موقع الترا صوت فلسطين أن “رجل الأعمال اليهودي الأمريكي، “غاري بورنيت” متحمّس للإعلان عن صفقة كبرى في وسط إحدى أهم مدن العالم. هذا وضع يستفيد منه الجميع: دولة إسرائيل، مدينة القدس، السكان وشركة إكستيل”.

وبحسب ملحق الصحيفة فقد تم إبرام الصفقة قبل أيام، والأرض المباعة تضم حوالي 1000 وحدة سكنية مبنية في أحياء رحافيا والطالبية، بينها مبان عامة مثل جزء من “الكنيس الكبير” و”متحف إسرائيل”، وفنادق شهيرة مثل “إنبال” و”بريما” و”دان بانوراما”، ومساحات مفتوحة إضافية، وأكثر من 12 قطعة أرض مخصصة للتطوير الإنشائي.

وجرى تأجير هذه الأراضي إلى “الصندوق القومي اليهودي” المعروف بـ “الكيرن كييمت” في الخمسينيات من القرن الماضي لمدة 99 عامًا، حتى عام 2052، مع خيار التمديد بموجب شروط عقد إيجار متجدد على أساس القيمة السوقية، ثم قام الصندوق القومي اليهودي بتأجيرها للمستوطنين اليهود. وفي عام 2011، أبرمت مجموعة “Niyot Kommiam” أول صفقة مع الكنيسة اليونانية، واشترت منها حق التأجير لمدة 110 سنوات.

وأشار ملحق “يديعوت” إلى أنه ومنذ عام 2000 بعد اندلاع الانتفاضة الثانية وبعد المخاوف الإسرائيلية من قيام فلسطينيين بشراء الأراضي في حي الطالبية، حاول الصندوق القومي اليهودي شراءها من الكنيسة في صفقة تبيّن لاحقًا أنها اعتمدت على توكيلات مزيفة.

وفي سياق متصل، قامت طواقم “جمعية العاد الاستيطانية” بأعمال في محيط عين سلوان في حي وادي حلوة، في البلدة، جنوب المسجد الأقصى.

وشرع المستوطنون بتواجد شرطي باستبدال أعمدة حديدية مثبتة على حائط ببوابة الكترونية، لاستخدامها كممر الى عين سلوان والأنفاق أسفل حي وادي حلوة.

ومنعت الشرطة السكان من الاقتراب والاطلاع على الأعمال التي تجري في الموقع.

وتأتي هذه الأعمال بعد عدة أسابيع من الاستيلاء على أكثر من 7 دونمات محيطة في عين سلوان “أرض الحمراء وأرض موقف للمركبات”، حيث تتواصل في المنطقة أعمال حفر ووضع بوابات وخلع أشجار مثمرة، إضافة الى تجريف وبناء سلاسل حجرية في الموقع.

كما  اعتدى مستوطن، على الناشط المقدسي محمد أبو الحمص خلال تواجده في حي الشيخ جراح في مدينة القدس.

وكان الناشط أبو الحمص يتواجد في حي الشيخ جراح، وحاملا العلم الفلسطيني، ففوجئ بقيام أحد المستوطنين بمهاجمته بالدفع ويحاول أخذ العلم الفلسطيني بالقوة، وعلى الفور حضرت الشرطة الى الموقع واعتقلت الناشط أبو الحمص.

وحولت الشرطة الناشط أبو الحمص لمركز التوقيف.

واعتقلت الشرطة الجمعة الناشط أبو الحمص من منطقة باب العامود، وافرجت عنه بعد ساعات بشرط “الابعاد عن شوارع القدس” لمدة اسبوعين.

كما وزعم جيش الاحتلال انه اعتقل طفلا مقدسيا بزعم نيته تنفيذ عملية طعن بالقدس.

وبحسب بيان لجيش الاحتلال فإن الطفل (13 عامًا) من العيساوية، اعتقل بعد أن أثار الشبهات، وعثر بحوزته على سكين وكان ينوي تنفيذ عملية طعن في البلدة القديمة بالقدس.

وأشارت إلى أن شرطة الاحتلال نقلت الطفل إلى التحقيق، فيما سيُقدّم اليوم إلى المحكمة لمناقشة تمديد اعتقاله.

الأردن يخطط لجذب استثمارات بـ 40 مليار دينار: لماذا… كيف ومتى دون تحديد «هوية اقتصادية»؟

بسام البدارين

عمان – «القدس العربي»

تحدد الحكومة الأردنية وبصورة علنية وفيها قدر كبير من الجرأة هدفها المالي والاستثماري خلال السنوات العشر المقبلة. ويغرق الجميع بعد هذا التحديد في تساؤلات مثل كيف ومتى وعلى أي أساس؟ أو في العودة لجدل الأرقام التي سبق أن أرهقت الرأي العام وكشفت عن ضعف في مصداقية أرقام حكومات سابقة.

رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة ولأسباب مرتبطة على الأرجح بسعي حكومته لإظهار التزامها الشديد بمضمون ومنطوق ما ورد في وثيقة التمكين الاقتصادي وفي الإطار الهيكلي، قدمت صنفاً من الالتزام والوعد وبصورة علنية باسم الحكومة مؤخراً بعنوان خطة موضوعة على أساس التحفيز الاستثماري.

«العمل من أجل»

مضمون تلك الخطة وفكرتها العمل من أجل- لاحظوا عبارة العمل من أجل- تحصيل جذب استثمارات بقيمة 40 ملياراً من الدولارات خلال السنوات العشر المقبلة وعلى أساس أن 25 % من هذه المليارات مرتبطة بجذب المزيد من الاستثمارات الوطنية وتثبيت الاستثمارات الموجودة.

وهنا يصر البرلماني والخبير الاقتصادي الدكتور خير أبو صعليك، وكما سمعته مرات عدة “القدس العربي”، على التذكير بأن الهدف الأساسي في مسألة الاستثمار الوطني ينبغي أن يكون دائماً تثبيت أركان المستثمرين المحليين والعمل على جذبهم وتوطين الاستثمارات الاستراتيجية.

في المقابل، يعيد وزير المالية الدكتور محمد العسعس تذكير الرأي العام والمواطنين عبر نقاش ببعض تفاصيل الميزانية المالية الجديدة مع “القدس العربي” بأن هدف الحكومة الأبعد والأعمق ليس الاستثمارات الطارئة والسريعة أو التي تريد بناء مجدها على أساس التسهيلات والكرم الضريبي أو حتى التهرب من دفع الاستحقاق الضريبي القانوني، بل الهدف هو استثمارات حقيقية وجذرية وعميقة واستراتيجية وطويلة الأمد، الأمر الذي يقترح الوزير العسعس أنه يمكن إنجازه فقط عبر الاحتكام في المسائل المرتبطة بكلفة الاستثمارات للقانون وبمسطرة واحدة على الجميع.

ذلك ممكن عبر تقليص من آلام وأوجاع الضرائب الاستهلاكية التي تخص الفقراء والطبقات المسحوقة والأقل حظاً على حساب تعزيز سقف عوائد الضرائب من بقية الأعمال.

الطموح هنا يبدو كبيراً، خصوصاً عندما تحدث الرئيس الخصاونة عن رغبة حكومته أو سعيها لمحاولة جذب استثمارات بقيمة 40 ملياراً، لكن السؤال الذي يصر عليه خبراء أساسيون ومن بينهم وزراء سابقون تحدثت معهم “القدس العربي” عدة مرات هو: كيف ومتى يمكن جذب هذه الاستثمارات فيما المناخ الإداري والبيروقراطي على مستوى أجهزة الحكومة ومؤسسات الدولة لا يزال خارج نطاق تحديد هويته؟

سؤال مهم لا يمكن طرحه إلا من قبل الخبراء، والمقصود بهذا السؤال هو التأشير على أن الحكومة ينبغي أن تحدد هويتها الاقتصادية والإدارية والمالية والاستثمارية قبل التحدث عن جذب استثماري من هنا أو من هناك.

إشكالية الهوية الاستثمارية

لكن تلك إشارة إلى أن الدولة الأردنية عملياً حتى هذه اللحظة لم تحسم مسألة هويتها في المجال الاقتصادي على الأقل، مع الأخذ بالاعتبار أن تجنب ترسيم الهوية السياسية العامة صعب ومعقد بحكم اعتبارات القضية الفلسطينية وتعقيدات الإقليم.

يلمح البرلماني والوزير السابق والسياسي المخضرم الدكتور ممدوح العبادي، دوماً إلى تلك الإشكالية في مسألة تحديد الهوية الاستثمارية وهو يسأل عما إذا كان المخطط لجذب الاستثمارات يفهم مسبقاً لغة الاقتصاديين الاستثماريين.

ويرى أن المستثمر، أي مستثمر، وفي أي مكان وفي أي وقت، يريد أن يربح بصفة خاصة، ومن يريد جذب الاستثمارات إلى الأردن لإنعاش الحالة الاقتصادية والدورة الاقتصادية فعليه أن يسأل نفسه عما هي المكاسب التي سيجنيها مستثمر ما إذا ما تم جذبه أصلاً، وعلى أي أساس، وما هي التسهيلات التي سيحظى بها؟

طوال الوقت يقترح العبادي الهوية السياحية والانفتاح على مختلف أصناف السياحة، بما في ذلك السياحة الدينية، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية والأمنية، باعتبار الأساس في المسألة أن تتحول وزارة السياحة إلى وزارة سيادية.

وبمعنى أن الهوية الاقتصادية ينبغي أن تكون دولة خدمات سياحية بالمقام الأول دون إسقاط بقية الأولويات والقطاعات.

لكن التحول عملياً إلى دولة خدمات سياحية بهوية أساسية يتطلب على الأرجح رؤية أمنية عميقة أكثر لمتطلبات الانفتاح، وليس المقصود هنا الانفتاح الحزبي أو السياسي أو الإعلامي، بقدر ما هو مقصود أيضاً حتى الانفتاح الأمني. طوال الوقت في الحديث عن السياحة الدينية للشيعة تحديداً العراقيين، ثمة تعقيدات لا أحد يفهمها. وطوال الوقت ثمة تعقيدات اجتماعية وسلوكية ومحافظة لها علاقة بأي توجه للحديث عن إقامة كازينوهات في الأردن.

بالتزامن، يعرض الشيعة العراقيون مؤخراً إقامة مطار خاص بالحجاج الشيعة أو الزوار لمقام جعفر بن أبي طالب وصحبه في مدينة الكرك الجنوبية، مقابل كل الضمانات الأمنية، فيما القرار الأمني العميق في اعتباراته يسبق حتى الاستثمار.

وهذا ما ثبت أصلاً في الملف المرتبط بالاستشفاء والاستثمار الطبي لجنسيات الدول التي قيدت مؤخراً، مثل ليبيا واليمن والعراق والسودان.

ورغم ذلك، يرى كثيرون أن جذب الاستثمارات بهذا الحجم وبمعدل واحد ونصف مليار دولار سنوياً وذلك بموجب الالتزام أصلاً بخطة التمكين الاقتصادي، صعب ومعقد إذا لم تحسم مسألة هوية الدولة الاقتصادية والإدارية. وأحد هؤلاء الخبراء يلفت النظر إلى ما يجري في مسألة تسعير المحروقات والدفاع المستميت في جميع أجهزة القرار والدولة عن اللوبي الذي يحتكر مسألة تسعير المحروقات واستيراد المشتقات النفطية، وحتى مشروع مصفاة البترول، حيث إن الدولة لم تحسم خيارها هنا؛ فهي تتصرف أحياناً على أساس أن القطاع العام خارج القطاع الخاص.

ازدواجية لا بد من تأملها

وفي كثير من المفاصل، تتصرف الدولة على أساس أن القطاع العام يريد البقاء في القطاع الخاص، وتلك ازدواجية، برأي العبادي وآخرين، لا بد من تأملها والتوقف عندها حتى يصبح الحديث عن جذب الاستثمارات أكثر مصداقية إلى حد بعيد.

وحتى في مجال الاشتباك النقاشي في ملف الاستثمار، يسأل أحد خبراء القطاع الخاص في الأردن أمام “القدس العربي” سؤالاً في غاية البساطة، لكنه يلفت النظر مجدداً إلى تلك الازدواجية في طريقة تفكير عقل الحكومة.

في ملف الضرائب مثلاً، تم التصرف على أساس ارتداء قميص “الشيوعي”، ثم التصرف على أساس الرأسمالية في مسألة العدالة الضريبية، وزيادة كفاءة التحصيل، وهذه مسائل أساسية وينبغي أن يتم التصرف معها وبها اعتماداً على مسطرة قانونية موحدة، لأن تلك المسألة الإجرائية التي يراها القوم بسيطة هي أول ما يهتم به ويسأل عنه بالتأكيد أي مستثمر أجنبي أو خارجي أو حتى محلي.

فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني

من شبه المستحيل أميركياً ظهور من يشرع في مفاوضات مع طهران خصوصاً بعد تورطها بالمسيرات مع روسيا بأوكرانيا

نبيل فهمي وزير الخارجية المصري السابق

تأخرت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن وترددت بعد انتخابها في عدم العودة السريعة للاتفاق النووي الإيراني لسعيها إلى ترتيب أولوياتها ورصيدها السياسي بعد فوزها في الانتخابات على حساب الرئيس دونالد ترمب الذي قرر الانسحاب من الاتفاق من جانب واحد، وعلى رغم اعتراض كل الشركاء في الاتفاق روسيا والصين، وكذلك أعضاء حلف الشمال الأطلنطي بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

من جانبها، تأخرت وترددت إيران في الموافقة على حلول وسط طرحت أوروبياً لاستئناف الاتفاق، آخرها اقتراح من مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في يوليو (تموز) الماضي، واعتذرت عن عدم استمرار المشاركة في المفاوضات إلى أن أعلن وزير الخارجية الإيراني موافقة بلاده على اختتام مباحثات فيينا على أساس مسودة الاتفاق الأخيرة، وذلك في مؤتمر صحافي عقده مع بوريل في 20 ديسمبر (كانون الأول)، عقب قمة جمعت عدداً من الدول الإقليمية في عاصمة الأردن عمان.

وبعد تردد أميركي اقتربت الولايات المتحدة من الموقف الأوروبي الأكثر مرونة وإيجابية، بل وافقت على بعض طلبات طهران في إبداء المرونة برفع بعض المؤسسات الإيرانية من قوائم العقوبات، وظلت العقبة الرئيسة عدم قدرة الولايات المتحدة إعطاء ضمانات بعدم انسحاب إدارات مقبلة من الاتفاق من جانب واحد، وكذلك التمسك بضرورة توصل تصفية إيران لملفاتها العالقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو موقف مشترك مع الدول الدائمة الأخرى.

وصعدت إيران تحركها على الأرض لفرض الأمر الواقع، وهي تناور دبلوماسياً وتظهر قدراً من المرونة بالإعلان عن مضاعفة قدراتها في تخصيب اليورانيوم، واستخدامها أجهزة الطرد المركزي المتطورة، قبل الموافقة على استئناف زيارات وفد خبراء الوكالة، فضلاً عن تطوير قدراتها الصاروخية ونيتها إطلاق أقمار صناعية، فاقترب الموقف الأوروبي وأصبح شبه متطابق مع نظيره الأميركي بالابتعاد عن التركيز على إحياء الاتفاق النووي، وفرض الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عقوبات متتالية على طهران في الآونة الأخيرة.

من اتصالاتي الأميركية والإيرانية في الآونة الأخيرة أجد أن هناك قناعة لدى الوسط السياسي في الجانبين بأن هناك مصلحة في استئناف الاتفاق النووي لضبط الطموحات النووية الإيرانية من جانب واشنطن، ومن ناحية طهران، لرفع العقوبات الاقتصادية الشديدة والتمركز مرة كدولة فاعلة ومتفاعلة في الشرق الأوسط الذى يعيد تشكيله.

ومع هذا، أرى أنه يصعب تصور العودة مجدداً إلى الاتفاق في المستقبل المنظور، حيث أصبح التفاوض يؤخذ من اليمين السياسي في البلدين على أنه دليل على الضعف والفشل السياسي، وكذلك لاعتبارات جيوسياسية وداخلية عدة. ولا أتصور تغير أي منها في المدى القريب.

الإدارة الأميركية الديمقراطية نجحت في الاحتفاظ بغالبية مجلس الشيوخ، لكنها فقدتها في مجلس النواب، ولها طموحات ومشروعات داخلية ضخمة تريد إنجازها تمهيداً للانتخابات المقبلة عام 2024، لذا لن تنجرف وراء مشروعات خارجية حساسة وغير مضمونة.

من شبه المستحيل أميركياً الظهور بمن يشرع في مفاوضات مع إيران في الوقت الذي توفر فيه الطائرات غير المسيرة لروسيا بعد حربها ضد أوكرانيا. إذاً، استئناف تلك المفاوضات مرهون بدرجة كبيرة بتطورات الأوضاع في كييف، والتي لن تتغير كثيراً وتستقر إلا بعد مفاوضات شاقة قد تطول، ولن تنجز بشكل حاسم قبل نهاية الربيع في أفضل تقدير. كما لا أعتقد بإمكان عقد مفاوضات غربية – إيرانية على المدى القصير في ظل المناوشات التي حصلت بين مؤسسات النظام الإيراني وبعض مواطنيها، والتي لم تستقر أو تنته بعد، وتحمل في طياتها تداعيات عديدة، بخاصة إذا شهدنا مزيداً من التصعيد وردود الفعل القاسية من قبل النظام.

إذاً، من الجانب الغربي المشكلة ليست في مضمون ونصوص الاتفاق المرجو التوصل إليه فحسب، بل تمتد إلى عدم ملاءمة التفاعل تفاوضياً مع إيران في الوقت الحالي حول الاتفاق النووي، أو غيره من مشروعات التعاون المحتملة.

وكلما استنفد الوقت واقتربنا من المواسم الانتخابية قل الحماس للدخول في مفاوضات حساسة من حيث الشكل أو المضمون، وضعفت الاحتمالات والقدرات على تقديم التنازلات اللازمة للتوصل إلى حلول وسط توافقية.

مقابل هذا أرى أن الجانب الإيراني المؤسسي مهتم بالظهور بأنه متقبل العودة إلى المفاوضات، بل يرحب بذلك، فمجرد استئنافها يعني ضمنياً خروج طهران جزئياً من عزلتها السياسية الناتجة من تعاونها مع روسيا في مجال التسليح أو نتيجة الخسائر الإنسانية المرتبطة بالتظاهرات الأخيرة والتحدي الصريح لمكانة رجال الدين المرتبطين بالنظام.

في الوقت نفسه، لا أرى مؤشرات واضحة إلى أن إيران على استعداد لإظهار المرونة الكافية حول بنود الاتفاق النووي، بما يسمح بالتوصل إلى اتفاق، أو أنها على استعداد للتراجع عن نسب التخصيب الذي وصلت إليه، ويرجح أن تكون المرونة السياسية الإيرانية الأخيرة جزءاً من مناورات وممارسات إيرانية تكتيكية اعتدنا عليها، وليست مؤشراً واضحاً إلى أن تكون نظرة طهران أكثر شمولاً واستراتيجية.

ومن ثم أستبعد أن نشهد انفراجة في المواقف من الاتفاق النووي الإيراني على المدى القصير، وأرجح استمرار الأوضاع على ما هي عليه، من دون تقدم أو تراجع جوهري، إلا إذا فاجأتنا بعمل عسكري يؤدي إلى إعادة ترتيب الأوضاع ويفرض تغيير الحسابات، وهو أمر تهدد به إسرائيل كثيراً كعامل ضغط دون الشروع فيه، وإنما الله يعلم موقفها في تشكيلها السياسي الجديد الذي أصبح أكثر حدة وتطرفاً.

أزمات الشرق الأوسط تتصدر أجندة بايدن في 2023!

 د. عبد الله خليفة الشايجي

نجح الرئيس الأمريكي جو بايدن في أول عامين من رئاسته برغم حقول الألغام الكثيرة، التي تحتاج فقط لصاعق يفجرها، بتجنب مواجهات تقحم أمريكا في أزمات في حروب المنطقة، وخاصة بعد الانسحاب المرتبك من أفغانستان في أغسطس 2021.

وبذلك يكرر الرئيس بايدن نجاح عقيدة الرئيس باراك أوباما بتجنب الانخراط في حروب الشرق الأوسط، والذي كان يفاخر أن مبدأه يقضي بعدم الانجرار لحروب مضنية ومكلفة في الشرق الأوسط والاستدارة نحو آسيا لاحتواء الصين ومعها مغامرات روسيا وذلك قبل عقد من غزو أوكرانيا! وتفاخر أوباما أنه نجح بتجنب خوض حرب سوريا عام 2013. حتى أنه اقترح تقاسم النفوذ في الشرق الأوسط بين السعودية وإيران واتهم الخليجيين بأنهم «راكبون بالمجان»!

يبدو الرئيس بايدن نائب الرئيس باراك أوباما لثمانية أعوام (2009-2017) مصمماً على اتباع نهج سياسات ومقاربات الرئيس أوباما تجاه أزمات الشرق الأوسط. لم يتورط بايدن المنهمك بصراع وجودي لتهيئة الظروف والأرضية لترشحه لانتخابات الرئاسة عام 2024 لفترة رئاسة ثانية وأخيرة، وكذلك ليحافظ حزبه الديمقراطي على أغلبيته في مجلس الشيوخ واستعادتها في مجلس النواب التي خسرها بفارق ضئيل في نوفمبر الماضي. وكذلك احتواء نفوذ الجمهوريين، وخاصة الجناح المتشدد الذي يمسك برئيس مجلس النواب ماكارثي رهينة ونجح بابتزازه لينصاع لشروطهم، يغذيهم الرئيس السابق دونالد ترامب برغم أفول نجمه وتراجع نفوذه، والمحاصر بقضايا جنائية ولجان تحقيق وتعيين وزير العدل محقق خاص للتحقيق بتجاوزات احتفاظه بوثائق سرية والمماطلة بتسليمها في مخالفة للقانون الفدرالي. وكذلك تعيينه وزير العدل محققا خاصا آخر للتحقيق بكيفية وجود وثائق فدرالية سرية في مكتبة ومرآب الرئيس جو بايدن بعد اكتشاف وثائق سرية أيضاً يخالف وجودها لدى الرئيس بايدن القانون الفدرالي بعد تركه منصبه، نائباً للرئيس أوباما.

نجح بايدن في أول عامين بتجنب اقحام أمريكا في الشرق الأوسط المتحركة! لكن ارهاصات عام 2022 ستقحم بايدن في أكثر من أزمة.

أتفق مع ما جاء في مقال الرأي لمسؤول السياسة الخارجية الأمريكية الأسبق هارون ديفيد ميلر وروبرت ووليهم في دورية Foreign Policy هذا الشهر» برغم بقاء أولوية واهتمام سياسة خارجية إدارة بايدن في عام 2023 مواجهة تداعيات واحتواء روسيا وتكبيدها كلفة استراتيجية كبيرة، لحربها على أوكرانيا. تبرز ملفات وأزمات ضاغطة على رأسها احتواء صعود وتحركات الصين تحركات التي تهدد زعامة وتفرد الولايات المتحدة التي تسعى مع روسيا ـ لتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب، تضاف لتهديد مغامرات كوريا الشمالية الصاروخية، كما ستفرض أزمات الشرق الأوسط نفسها على إدارة بايدن، وخاصة أزمات سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا.

نجح الرئيس الأمريكي جو بايدن في أول عامين من رئاسته برغم حقول الألغام الكثيرة، التي تحتاج فقط لصاعق يفجرها، بتجنب مواجهات تقحم أمريكا في أزمات في حروب المنطقة

لكن الملفين الأكثر استحواذاً وإشغالاً لإدارة بايدن من بين أزمات الشرق الأوسط عام 2023، ستكون إسرائيل وإيران، خاصة في استمرار فشل مفاوضات الاتفاق النووي واقتربت إيران من عتبة النووي وهي مسألة أشهر وليس سنوات!

والأزمة الثانية التي تتقاطع مع الأزمة الأولى وتطرح السؤال الكبير: هل يفجّر قمع وغطرسة وعنصرية حكومة أقصى اليمين الإسرائيلية حربا سادسة على غزة أو انتفاضة ثالثة في القدس؟

هذان الملفان المتقاطعان سيُبقيان إدارة بايدن منشغلة بملفات الشرق الأوسط للعامين المتبقيين من رئاسته. ما يعيق أمريكا من الالتفات كلياً لمواجهة الأولويات الأمنية والاستراتيجية على المسرح الدولي، خاصة مواجهة والتصدي لروسيا والصين.

غير مستبعد بسبب تركيبة حكومة نتنياهو الأكثر تطرفاً دينياً وعقائدياً وصهيونية، أن تفجر الصاعق وتغير النظام الديمقراطي الليبرالي العلماني وتعمق يهودية الدولية وتهمش الفلسطينيين العرب الإسرائيليين وتعمق الخلافات في المجتمع الإسرائيلي بين محافظيه وليبرالييه وتوسع الاستيطان ليتمدد لكل أرجاء فلسطين كما تعهد نتنياهو، وتقضي على أي فرصة لحل الدولتين، وهي رؤية تدعمها أمريكا وأوروبا والأمم المتحدة. وهو ما حذر جيك سوليفان مستشار الأمن الوطني الأمريكي نتنياهو وحكومته منه. خاصة أن وجود شركاء متطرفين ايتمار بن غفير وزير الأمن الوطني ومنحه صلاحيات مسؤولية الأمن وشرطة الحدود وتهديده وشيطنته الفلسطينيين واقتحامه المسجد الأقصى.

والمتطرف بيزيل سموترتش، مستوطن وزعيم حزب الصهيونية الدينية، وزير في وزارة الدفاع مسؤول عن مصير مئات آلاف الفلسطينيين والإسرائيليين في الضفة الغربية وخطورة الصلاحيات الممنوحة له ستكون على حساب صلاحيات وزارة الدفاع! سيعمق الشرخ وانسداد الأفق ويسرع وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية! ما سيدفع لانفجار قادم.

يشكل التقاطع بين حكومة نتنياهو المتطرفة وتعهده بأنه عاد لمنع إيران من امتلاك أي سلاح نووي، وتطوير قدرات ضغط نتنياهو على إدارة بايدن للتزود بأسلحة متطورة لمنع إيران من امتلاك القدرات النووية. وحتى استخدام الكونغرس للضغط على بايدن لتزويد إسرائيل بأسلحة متطورة والتلويح بعمل عسكري، وربما القيام بهجمات سيبرانية واغتيال علماء نوويين إيرانيين، كأوراق ضغط لدفع وإجبار إيران للعودة إلى الاتفاق النووي. ما قد يدفع المنطقة إلى حافة الهاوية بحسابات خاطئة، وسوء تقدير موقف.

وكان ملفتاً رسالة تحذير الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق في سلسلة تغريدات في حسابه في تويتر» هناك خشية في حال فشل التوصل لاتفاق نووي مع إيران، وتزويد إدارة بايدن إسرائيل بأسلحة، من عمل عسكري يهز أمن واستقرار منطقتنا».

ما لم تضغط وتلجم إدارة بايدن بشكل جدي وصارم نتنياهو وحكومة أقصى اليمين بوقف التصعيد والتهديد بعمل عسكري ضد إيران لتداعياته الخطيرة ما سيدفع المنطقة لحافة الهاوية، ويهدد الاستقرار والأمن وأمن الطاقة، ويحث ويلح حلفاء أمريكا العرب إدارة بايدن رفض تزويد إسرائيل بأسلحة نوعية، ونزع فتيل الأزمة، وخطورة وزراء الصهيونية الدينية كبن غفير وسموترتش، سنشهد انتفاضة ثالثة وحرب. وسنجد أنفسنا مع أمريكا عالقين في رمال المنطقة المتحركة!

تزايد الضغوط على شولتس لتسليم أوكرانيا دبابات «ليوبارد»

باريس: «الشرق الأوسط»

أعلنت وزيرة الخارجيّة الألمانيّة أنالينا بيربوك، أمس الأحد أنّ بلادها مستعدّة للسماح لبولندا بإرسال دبابات «ليوبارد» إلى أوكرانيا، التي تصرّ بشدّة على ضرورة تسليمها إيّاها، مما زاد الضغط على المستشار أولاف شولتس الذي لا يزال متردّداً في اتّخاذ قرار حيال هذه المسألة.

وقالت الوزيرة المنتمية إلى حزب الخضر، المشارك في الائتلاف الحكومي مع الليبراليين والديمقراطيين الاجتماعيين بزعامة شولتس: «إذا طُرِح السؤال علينا، فلن نُعارض تسليم هذه الدبابات الألمانيّة الصنع إلى كييف». وأضافت الوزيرة خلال مقابلة في باريس عبر قناة «إل سي إي» الفرنسيّة: «في الوقت الحالي، لم يُطرَح السؤال من جانب بولندا التي يُفترض قيامها بتقديم طلب رسمي إلى برلين».

غير أنّ القرار النهائي في هذه المسألة يعود إلى شولتس، الذي رفض حتّى الآن التعليق على مسألة عمليّات التسليم غير المباشرة لهذه الدبابات. كما أنّه لم يُعلّق على مسألة إرسال دبابات «ليوبارد» مباشرة من المخزون الألماني. وبُعيد المقابلة التي أجرتها بيربوك، قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس من جانبه، في مقابلة مع قناة «إيه آر دي» الألمانيّة، إنّ القرار في هذا الإطار «يعتمد على كثير من العوامل ويتمّ اتّخاذه في المستشاريّة». وبيستوريوس اشتراكي ديمقراطي مثل شولتس، وهو لم يُسأل عن التصريحات التي أدلت بها بيربوك.

وتتعرّض الحكومة الألمانيّة لضغوط متزايدة من أجل تزويد أوكرانيا بدبابات «ليوبارد»، التي يمكن أن يكون لها تأثير كبير على ساحة المعركة ضدّ القوّات الروسيّة. وقالت بيربوك التي زارت في الآونة الأخيرة خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا: «فهمتُ جيّداً مدى أهمّية هذه الدبابات، ونحن ندرك ذلك تماماً».

وفي سياق متصل، قالت بولندا إنها سترسل دباباتها الألمانية الصنع إلى أوكرانيا، حتى لو لم تفعل ذلك ألمانيا، وأشارت إلى أنها ستأخذ زمام المبادرة الدبلوماسية في أوروبا إذا لم تقم برلين بذلك. وكتب رئيس الوزراء البولندي ماتيوش موارفيتسكي عبر «تويتر»: «لن نقف موقف المتفرج على أوكرانيا وهي تنزف حتى الموت».

وفي الوقت ذاته، قالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك إن برلين لن تعارض إرسال بولندا دبابات قتالية من طراز «ليوبارد 2» إلى أوكرانيا. وقد عرضت بولندا وفنلندا تسليم دبابات «ليوبارد» تمتلكانها، لكنّهما بحاجة إلى موافقة رسميّة من برلين لإعادة تصديرها. يشار إلى أنه من أجل أن تقوم دولة ثالثة بتصدير الدبابات ألمانية الصنع، يجب على الحكومة في برلين إعطاء موافقتها.

ولدى سؤاله مجدّداً عن تسليم دبابات «ليوبارد»، خلال مؤتمر صحافي إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأحد في باريس، لم يكن شولتس حاسماً، وكرّر الحاجة إلى العمل بالتشاور مع حلفاء أوكرانيا بشأن قضايا تسليم الأسلحة. وبحسب محلّلين، أدّت الخشية من تصعيد عسكري مع موسكو، وكذلك إحجام برلين عن تأدية دور قيادي في المعسكر الغربي، إلى التردّد في إرسال هذه الدبابات التي تطلبها كييف.

وهذه ليست أوّل مرّة يتّبع الوزراء المنتمون إلى حزب الخضر في الحكومة، ولا سيّما بيربوك، نهجاً استباقيّاً أكثر من المستشار نفسه، بشأن موضوع الدعم العسكري لأوكرانيا. وفي الأسابيع الأخيرة، ألحّت شخصيّات عدّة منتمية إلى حزب الخضر، على شولتس كي يوافق على تسليم دبابات إلى كييف. وفي اجتماع الجمعة في قاعدة رامشتاين الأميركيّة في ألمانيا، تراجع حلفاء أوكرانيا الغربيّون عن اتّخاذ أي قرار في هذا الشأن، مما أغضب كييف التي انتقدت «تردّدهم».

وهناك أيضاً غضب في صفوف الليبراليين، وهم شريك آخر في الائتلاف الألماني الحاكم. وأبدت الليبراليّة ماري – أغنيس ستراك – زيمرمان أسفها لمحادثات رامشتاين، قائلة: «على الأقلّ كان من العدل منح الشركاء الضوء الأخضر» لتسليم دبابات «ليوبارد» موجودة في مخزوناتهم. وأشارت رئيسة لجنة الدفاع في البوندستاغ إلى أنّ «التاريخ ينظر إلينا، ولسوء الحظ فشلت ألمانيا للتوّ».

من جهتهم، أسف المحافظون بسبب مماطلة المستشار شولتس. وقال يوهان واديفول، عضو حزب الاتّحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، إنّه «يمكن للصناعة الألمانيّة تسليم ما يقرب من 200 دبابة من طراز ليوبارد 1 على الفور». وتملك جيوش أوروبية عدّة دبابات ليوبارد، وهذا ما يشكّل ميزة كبيرة لأنّه يمكن أن يسهّل الحصول على الذخيرة وقطع الغيار وتبسيط الصيانة.

والأحد، قال رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي إنّه في انتظار «إعلان صريح» من برلين يتيح تسليم دبابات «ليوبارد»، معتبراً أن «موقف ألمانيا غير مقبول». وقال لوكالة الأنباء البولندية: «يموت أبرياء يوميّاً».

الحرب الطويلة في أوكرانيا

يحتاج الغرب إلى إعداد العدة لمواجهة صراع طويل الأمد مع روسيا

إيفو إتش. دالدير  جيمس غولدغاير

حينما تواجه الولايات المتحدة أزمة في السياسة الخارجية، يزعم منتقدوها أن الحكومة الأميركية تبذل جهوداً كبيرة أو أنها لا تبذل جهوداً كافية. وينطبق ذلك على أوكرانيا. في الواقع، يلوم كثير من الناس إدارة بايدن على فشلها في تزويد القوات الأوكرانية بالأسلحة الثقيلة، على غرار الدبابات والصواريخ البعيدة المدى والطائرات المقاتلة التي يرون أنها ضرورية من أجل طرد القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية. في المقابل، يشعر آخرون بالقلق في شأن قوة الغرب الراسخة والكلف البشرية والاقتصادية المتزايدة المترتبة على الحرب، فيحثون الإدارة الأميركية على الضغط على كييف من أجل التفاوض على صفقة مع روسيا، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن بعض أراضيها.

بيد أن هاتين الحجتين غير مقنعتين. لقد فاجأ الجيش الأوكراني الجميع بقدرته على الدفاع عن البلاد وحتى استعادة جزء كبير من الأراضي التي فقدها في بداية الحرب. لكن إخراج القوات الروسية من جميع أراضي أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، سيكون صعباً للغاية، حتى مع تعزيز المساعدات العسكرية الغربية، إذ إن تحقيق مثل تلك النتيجة سيتطلب انهيار الدفاعات الروسية المتوغلة والمدعمة وسيخاطر ببدء حرب مباشرة بين حلف “الناتو” وروسيا، وهو سيناريو كارثي لا يرغب أحد في وقوعه. بالنسبة إلى المفاوضات، لم يبد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أي مؤشر إلى استعداده للتخلي عن حلمه الإمبريالي بالسيطرة على أوكرانيا. وسيكون من الصعب إقناع الحكومة الأوكرانية بالتنازل عن أراضيها لقوة احتلال وحشية مقابل سلام غير مؤكد. وبالنظر إلى الحوافز القوية التي تدفع الجانبين كليهما إلى مواصلة القتال، فهناك نتيجة ثالثة هي الأكثر ترجيحاً، وتتمثل في حرب طويلة وطاحنة تتجمد تدريجاً على طول خط الترسيم الفاصل الذي لا يقبله أي من الطرفين.

والجدير بالذكر أن الفكرة القائلة إن الحروب تنتهي دائماً إما بالنصر أو بتسوية تفاوضية هي فكرة يكذبها التاريخ، وبالتأكيد ينفيها وجود عدد من الصراعات المجمدة على طول الحدود الروسية. في الواقع، تعتبر أوكرانيا بحد ذاتها مثلاً بارزاً على ذلك. وعلى رغم أعوام من جهود السلام المتقطعة، ظلت الحرب في إقليم دونباس مجمدة إلى حد كبير خلال السنوات الثماني التي سبقت الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. وربما لا تكون الحرب الحالية مختلفة. فبعد أكثر من 10 أشهر من القتال الوحشي وأشهر من الهجمات القاسية على السكان المدنيين، لن تقبل الحكومة الأوكرانية بالسيطرة الروسية على أي من أراضيها، خصوصاً بعد مشاهدة عمليات النهب والاغتصاب والاغتيالات في المناطق التي تسيطر عليها روسيا. في المقابل، من غير المرجح أيضاً أن تتخلى روسيا طواعية عن الأراضي الأوكرانية التي تعتقد خطأ بأنها ملك لموسكو.

حتى الآن، ركزت واشنطن وحلفاؤها بشكل مناسب على المهمة العاجلة التي تقتضي مساعدة أوكرانيا وتجنب التصعيد. وفي المقابل، ثمة حاجة ملحة لتبني رؤية أطول أمداً، ووضع سياسات تجاه كل من روسيا وأوكرانيا بناء على الواقع الناشئ المتمثل في أن هذه الحرب من المرجح أن تستمر لبعض الوقت. وبدلاً من افتراض إمكانية إنهاء الحرب من خلال الانتصار أو المحادثات، يحتاج الغرب إلى التفكير في عالم يستمر فيه الصراع من دون أن يلوح أي نصر أو سلام في الأفق. في عالم مماثل، ستحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى مواصلة تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا من أجل الدفاع عن نفسها في وجه عدوان روسي متزايد. وسوف يحتاجون إلى احتواء الطموحات الروسية الأكبر من خلال الحفاظ على العقوبات الاقتصادية وعزل موسكو دبلوماسياً. وسيتعين عليهم ضمان عدم تصعيد الصراع. وفي الوقت نفسه، سوف يحتاجون إلى إرساء أساس طويل الأمد للأمن والاستقرار في أوروبا. وسيتطلب ذلك دمج أوكرانيا بالكامل في الغرب مع صياغة سياسة احتواء تشدد على ردع العدوان الروسي وتؤكد الجهود المبذولة للتعاون مع موسكو من أجل تجنب تفاقم الحرب إلى مواجهة عسكرية أوسع لا يرغب أحد فيها. سيكون من الصعب على المدى الطويل تحقيق التوازن بين سياسة أوكرانيا من جهة وسياسة روسيا من جهة أخرى، بيد أن الجهود المبذولة من البلدين ستكون ضرورية من أجل مستقبل الأمن الأوروبي.

 لا انتصار ولا سلام

امتلأت الحرب في أوكرانيا بالمفاجآت. على رغم كشف إدارة بايدن علناً عن معلومات استخباراتية تظهر استعدادات موسكو لشن غزو، أصيب كثيرون بالذهول من أن روسيا استخدمت أكثر من 175 ألف جندي من أجل مهاجمة دولة مجاورة لم تؤذها ولا تشكل بأي شكل من الأشكال تهديداً لأمنها.

وحتى بالنسبة إلى أولئك الذين توقعوا غزواً واسع النطاق، لم تسر الأحداث وفق ما كان متوقعاً. في الواقع، فوجئ كثيرون بأن روسيا فشلت في السيطرة السريعة على أوكرانيا وإطاحة حكومتها. وخلافاً للتوقعات، عانى الجيش الروسي نقصاً ومجموعة من العيوب الشديدة في التخطيط والاتصالات والخدمات اللوجستية، مما أتاح للقوات الأوكرانية صد التقدم الروسي نحو كييف على رغم تفوق روسيا الكبير بالعدد والعتاد. وبعد ذلك، بمساعدة عسكرية واستخباراتية غربية على نطاق لم يكن ممكناً تصوره قبل فبراير 2022، استمرت أوكرانيا في مفاجأة العالم من خلال تغيير مسار الحرب في الصيف واستعادة حوالى نصف الأراضي التي فقدتها في الهجوم الروسي الأولي. في غضون ذلك، أظهر الغرب قدرة على توجيه ضربة اقتصادية قاسية لروسيا، بعزم مفاجئ وهدف موحد. وكذلك برز بشكل ملحوظ مدى رغبة أوروبا في إنهاء اعتمادها على الوقود الأحفوري الروسي بكلفة اعتقدت قلة قليلة بأن الحكومات الأوروبية ستكون مستعدة لتحملها.

على رغم أن القوات الأوكرانية تمكنت من تحقيق مكاسب دراماتيكية في أوائل خريف عام 2022 ولم تظهر أي علامة على التوقف عن القتال، إلا أن ديناميكية الحرب تغيرت مرة أخرى في الأشهر الأخيرة من السنة، إذ بدأت أوكرانيا عام 2023 مع معاناة ضربات وجروح عميقة، لأسباب ليس أقلها الهجمات الصاروخية الروسية المستمرة على شبكة الكهرباء والبنى التحتية المدنية الأخرى. إلى جانب أكثر من مئة ألف جندي روسي، وفق ما تورد التقارير، قتل عدد كبير من العسكريين والمدنيين الأوكرانيين في الحرب. وعلاوة على ذلك، خلافاً للأشهر الـ10 الأولى من القتال، ربما لن تشهد الأشهر المقبلة تغييرات كبيرة في خطوط المواجهة الحالية. يتمثل أحد الأسباب في أن روسيا تفتقر إلى القوة البشرية والمواد اللازمة للهجوم في أي وقت قريب. ويضاف إلى ذلك أن هجماتها بالصواريخ والطائرات من دون طيار على البنية التحتية المدنية في أوكرانيا، لم تؤد إلا إلى تعزيز تصميم الأوكرانيين على المقاومة. في الوقت نفسه، ستجد أوكرانيا صعوبة متزايدة في اختراق الدفاعات الروسية بكلفة مقبولة. ربما تستمر القوات الأوكرانية في شن هجمات ناجحة عبر خطوط روسية محددة، كأن تكون مثلاً في الجنوب باتجاه بلدة ميليتوبول وبحر آزوف. ولكن ما لم تنهَر الدفاعات الروسية تماماً، فإن أوكرانيا تفتقر إلى القوة البشرية اللازمة للاحتفاظ بمثل هذه المكاسب لفترة طويلة من دون تعريض نفسها للهجمات المضادة الروسية في أماكن أخرى.

الحرب الطويلة في أوكرانيا

منذ الخريف، سعى الاستراتيجيون الغربيون إلى استباق المواجهة العسكرية بطريقتين، إذ دعا بعض منهم كقادة عدد من دول البلطيق، إلى تسليح كييف بمزيد من الأسلحة الثقيلة التي ستحتاج إليها في طرد القوات الروسية من جميع الأراضي الأوكرانية. في المقابل، اقترح آخرون، بما في ذلك مارك ميلي، رئيس “هيئة الأركان الأميركية المشتركة”، أن الزعماء السياسيين في أوكرانيا يجب أن يفكروا في حل تفاوضي لا يرقى إلى تحقيق النصر الكامل ولكنه في الأقل سينهي القتال. بالنتيجة، لا توجد فرصة كبيرة لنجاح أي من النهجين.

واستطراداً، هناك حدود لما يمكن أن تقدمه واشنطن وحلفاؤها من أسلحة ومساعدات عسكرية. والجدير بالذكر أن ما يفرض جزءاً من هذه الحدود يتأتى من حقيقة أنه حتى الولايات المتحدة لم تعد تملك فائضاً من القدرات يتيح لها دعم أوكرانيا. فلنأخذ مثلاً قذائف المدفعية. العام الماضي، خلال أسبوع واحد أطلقت أوكرانيا عدداً كبيراً منها يوازي ما يمكن للولايات المتحدة إنتاجه في شهر واحد. وهناك أوجه قصور مماثلة في الأسلحة الأكثر تقدماً. في ذلك الإطار، أرسلت ألمانيا نظام الدفاع الجوي الحديث “إيريس تي” IRIS-T، إلى أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول). في المقابل، واجهت برلين صعوبات في تزويد كمية من صواريخ أرض- جو اللازمة لأوكرانيا كي تحافظ على دفاع فاعل. ونظراً إلى المساعدات العسكرية المكثفة التي قدمت بالفعل وتناقص الإمدادات المتاحة، فمن المرجح أن يشحن الغرب خلال الأشهر الستة المقبلة كمية أقل بكثير من الأسلحة إلى أوكرانيا بالمقارنة مع ما كان يرسله خلال الأشهر الستة الماضية.

خلال أسبوع واحد أطلقت أوكرانيا عدداً من قذائف المدفعية يوازي ما يمكن للولايات المتحدة إنتاجه في شهر واحد

إضافة إلى القيود على الإمداد، أحجمت واشنطن وحلفاؤها أيضاً عن تزويد أوكرانيا ببعض الأسلحة المتطورة بسبب التدريب المكثف الذي ربما يكون مطلوباً، وخطر وقوع مثل هذه الأسلحة في أيدي الروس في حال استخدامها في ساحة القتال. في ذلك السياق، تندرج الطائرات المقاتلة، من طراز “أف- 16″ F-16 إلى الجيل الأحدث من المقاتلات الجوية، ضمن الفئة الأولى [أي الحاجة إلى التدريب المكثف]. وتندرج في الفئة الثانية، الطائرات من دون طيار المتطورة كـ”غراي إيغل” Grey Eagle التي إذا استولت عليها القوات الروسية، فستعطي روسيا معلومات أساسية حول القدرات والتكنولوجيا العسكرية الأميركية.

واستطراداً، هناك خطر التصعيد، إذ حذرت موسكو واشنطن مراراً وتكراراً من إرسال صواريخ بعيدة المدى إلى أوكرانيا، بما في ذلك “نظام الصواريخ التكتيكية العسكري إم جي إم 140″ MGM-140 Army Tactical Missile System، أو ما يعرف بـ”أتاكمس” ATACMS الذي يبلغ مداه 300 كيلومتر (186 ميلاً) ويمكن أن يصيب عمق الأراضي الروسية. وبطريقة موازية، رفض الرئيس الأميركي جو بايدن باستمرار الدعوات لإرسال هذه الصواريخ ذات الكفاءة العالية إلى أوكرانيا، بحجة أن ذلك من شأنه أن يقسم حلف “الناتو” ويخاطر بإطلاق مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، أو حتى حرب عالمية ثالثة. من السهل تجاهل هذه المخاوف، على غرار ما يفعله عدد من المراقبين المخضرمين. لكن من المهم للغاية أن تأخذ الولايات المتحدة أخطار التصعيد على محمل الجد، وتقيم باستمرار أخطار عدم بذل جهود كافية لمساعدة أوكرانيا من جهة، مقابل العواقب المترتبة على بذل جهود كثيرة بما في ذلك احتمال استخدام روسيا لأسلحة نووية تكتيكية، من الجهة الأخرى. وتتمثل الحقيقة التي لا يمكن إنكارها في وجود حدود جوهرية تقيد مدى تلاقي المصالح الأوكرانية والأميركية في الرد على العدوان الروسي.

بطبيعة الحال، يعيد البنتاغون والبيت الأبيض باستمرار تقييم حاجات أوكرانيا وما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لدعمها. واستناداً إلى ذلك، أرسلت إلى أوكرانيا منظومات عسكرية جرى استبعادها في البداية، بما في ذلك المدفعية الطويلة المدى والدفاعات الجوية المتقدمة كبطاريات صواريخ  “باتريوت” Patriot. كذلك يلاحظ أن أحدث تغيير من هذا القبيل يتعلق بالمركبات المدرعة، إذ وافقت الولايات المتحدة وفرنسا على تزويد كييف بمركبات قتالية مدرعة ودبابات خفيفة. ولكن، في حين أن هذه الأسلحة والمعدات ستساعد أوكرانيا، فمن غير المرجح أن تغير ميزان القوى في ساحة المعركة بما يكفي لإنهاء الحرب.

وإذا كان من المستبعد تحقيق نصر عسكري أوكراني كامل في أي وقت قريب، فإن احتمالات التوصل إلى سلام تفاوضي تبدو أبعد من ذلك. على رغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرح مراراً وتكراراً عن استعداده “للتفاوض مع جميع المشاركين في هذه العملية حول بعض النتائج المقبولة”، فمن الواضح أنه غير صادق. لطالما فضل مناقشة أهدافه الإقليمية مباشرة مع الولايات المتحدة عوضاً عن التعاون بجدية مع القيادة الأوكرانية. وعلاوة على ذلك، لقد أصر أيضاً على أن المقاطعات أو الأقاليم الأوكرانية الأربعة التي طالبت روسيا بشكل غير قانوني بضمها في سبتمبر (أيلول)، إلى جانب شبه جزيرة القرم التي استولت عليها عام 2014، تشكل جزءاً من روسيا على نحو غير قابل للتغيير. في المقلب الآخر، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كييف لن تقبل على الإطلاق أي مطالبات روسية بأراضي أوكرانيا معتبراً أن كل سلام نهائي يجب أن يعترف بحدود أوكرانيا المرسمة عام 1991. بالتالي، لن يتمكن أي تملق غربي مهما بلغت درجته من تبديل موقف زيلينسكي الذي يحظى بدعم هائل من الجمهور الأوكراني، على رغم المعاناة غير العادية التي ألحقتها الحرب بهم، أو ربما بسبب هذه المعاناة نفسها.

استراتيجية أفضل طويلة الأمد

في غياب احتمال حدوث فوز مطلق أو سلام متفاوض عليه في وقت قريب، فستستمر الحرب في المستقبل المنظور. في الواقع، يجري تعزيز الدفاعات الروسية في الشرق والجنوب على طول خط المواجهة البالغ 600 ميل [9657 كيلومتراً] الذي يفصل الآن بين القوات الروسية والأوكرانية. وسيبحث الجانبان عن نقاط الضعف في دفاعات الآخر. ولكن، ما لم يحصل انهيار أوسع لهذا الطرف أو ذاك، فمن المرجح أن يظل خط المواجهة إلى حد ما في المكان الذي هو فيه الآن. وربما يتسبب الإرهاق ونقص القوة البشرية والعتاد في فترات توقف طويلة في القتال، مما قد يؤدي إلى اتفاق تفاوضي يقتضي فض الاشتباك أو وقف إطلاق النار، حتى لو جاء موقتاً أو مشروطاً. ليس مصير الحروب كلها أن تصل إلى نهاية، أو أن تنتهي بتسويات سلمية دائمة. لقد انتهت الحرب الكورية بهدنة، فيما أسفرت حرب يوم الغفران [حرب أكتوبر] عام 1973 عن “اتفاقات فض اشتباك” لا تزال سارية في حالة إسرائيل وسوريا. وليست روسيا غريبة عن التعايش مع النزاعات المجمدة، بما في ذلك في جورجيا ومولدوفا.

حرب أوكرانيا والمآل النهائي لفلاديمير بوتين

استطراداً، إذا كان مثل هذا المستقبل القاتم ينتظر الأوكرانيين، بمعنى الوصول إلى وضع تظل فيه حال الحرب مستمرة مع أو من دون قتال عنيف، فسيحتاج الغرب إلى استراتيجية متعددة الجوانب وطويلة الأجل لا تتخلى عن مستقبل أوكرانيا وفي الوقت نفسه لا تتجنب التعامل مع روسيا في القضايا ذات الاهتمام المشترك. وفي حين أنه من الصعب للغاية تخيل التعاون مع بوتين ونظامه، قد لا يملك الغرب خيارات كثيرة على المدى الطويل. لقد أدت الإخفاقات المتراكمة لهذه الحرب إلى إضعاف بوتين، لكنه أمضى 22 عاماً في تعزيز سلطته من أجل ضمان عدم تمكن أي شخص من تحديه بنجاح. كذلك من غير المحتمل حدوث ثورة من الأسفل [ثورة شعبية ضد النخبة الحاكمة]، بالنظر إلى قدرة موسكو المستمرة على قمع الشعب الروسي. وحتى لو أطيح بوتين من السلطة، فقد يكون خليفته شخصاً يشاركه رؤيته لروسيا العظمى، وربما يعتقد بأن بوتين لم يكن قاسياً بما فيه الكفاية.

علاوة على ذلك، على رغم وحشية بوتين، ظلت كييف وواشنطن على اتصال مباشر مع موسكو منذ بدء الحرب. وتفاوضت أوكرانيا وروسيا في شأن تبادل الأسرى. وبمساعدة تركيا والأمم المتحدة، توصلت روسيا وأوكرانيا إلى اتفاق صمد إلى حد كبير في شأن صادرات الحبوب. وعقدت الولايات المتحدة وروسيا صفقة لمقايضة نجمة كرة السلة الأميركية بريتني غرينر بتاجر الأسلحة الروسي فيكتور بوت. وفي استراتيجية حرب طويلة، سيحتاج الغرب إلى تعزيز ذلك النوع من الاتصالات، حتى لو كانت هناك نقاط قليلة جداً يتفق عليها مع روسيا.

ومن أجل تطوير نهج فاعل في التعامل مع حرب طويلة الأمد، يجب على الغرب أيضاً أن يواصل تقديم الدعم الكافي لأوكرانيا كي تدافع عن الأراضي التي تسيطر عليها الآن، وتحرر أراض إضافية حيثما أمكن ذلك. وبينما تسعى أوكرانيا بمرور الوقت إلى تأمين مستقبلها الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي، تحتاج الولايات المتحدة ودول “الناتو” إلى تقديم التزام أمني يضمن امتلاك أوكرانيا للأسلحة التي تحتاج إليها من أجل الدفاع عن نفسها ضد روسيا على المدى الطويل، تماماً على غرار ما فعلت أميركا حيال إسرائيل طوال عقود. كذلك، يجب على واشنطن أن تبحث مع حلفائها في إمكانية ترقية عضوية أوكرانيا الموعودة في الاتحاد الأوروبي إلى عضوية نهائية في حلف “الناتو” نفسه.

من المرجح أن يظل خط المواجهة الممتد 600 ميل في مكانه في المستقبل المنظور

في غضون ذلك، يحتاج القادة الغربيون إلى استعادة مهمة احتواء التهديد الروسي. وسيتطلب ذلك الإبقاء على جميع العقوبات المالية والتجارية والاقتصادية التي فرضوها منذ أن غزت روسيا أوكرانيا للمرة الأولى عام 2014. ويعني ذلك أيضاً مواصلة جهودهم الرامية إلى إنهاء الاعتماد على صادرات الطاقة الروسية. وكذلك يتوجب أن يبذل الغرب قصارى جهدهم من أجل منع وصول روسيا إلى التقنيات اللازمة لاستدامة اقتصادها، بما في ذلك في قطاع الدفاع.

سوف تتطلب سياسة الاحتواء الطويلة الأمد والفاعلة استمرار عزل روسيا سياسياً. وفي الحقيقة، يسهم استبعاد موسكو من المناسبات الرياضية والثقافية في ضمان ذلك العزل. وينطبق ذلك أيضاً على التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يظهر عدم وجود دعم لحربها غير القانونية ضد أوكرانيا. في المقابل، من الضروري بذل جهد غربي أكثر تناسقاً بهدف الإثبات لبلدان الجنوب أن الانحياز لموسكو، أو عدم الانحياز بحد ذاته، يؤدي في النهاية إلى انهيار أسس السلام والأمن التي يستند إليها النظام الدولي. واستطراداً، فإن ذلك لا يعني أن كل الدول بحاجة إلى تبني الاستراتيجية الاقتصادية التي ينتهجها الغرب. لكنه يعني إقناعها بأن روسيا مخطئة، وأن سلوكها هو السبب الأساس لمحنتها الاقتصادية. وكجزء من هذا الجهد، يمكن لواشنطن وشركائها الغربيين بذل جهود أكبر من أجل معالجة أزمات الغذاء والطاقة والاقتصاد التي ظهرت في أعقاب الإجراءات والممارسات الروسية غير المبررة، بدءاً من تخفيف الديون وتقديم المعونة الغذائية إلى البلدان الأكثر احتياجاً.

أخيراً، فإن احتواء روسيا سيتطلب من الغرب الحفاظ على موقف رادع قوي ليس في وجه التهديدات العسكرية فحسب، بل أيضاً التهديدات المحدقة بمؤسساته ومجتمعاته. ويعني ذلك الأمر أنه سيتعين على أوروبا زيادة إنفاقها الدفاعي بأكثر مما فعلت رداً على العدوان الروسي منذ عام 2014. وستحتاج الولايات المتحدة إلى الاستمرار في التعاون مع أوروبا حتى في وقت تكرس مزيداً من الجهود الرامية إلى مواجهة التحدي الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. إضافة إلى ذلك، تحتاج دول “الناتو” والاتحاد الأوروبي إلى تعزيز جهودها الفردية والمشتركة لإحباط التدخل الروسي في انتخاباتها والرد بقوة على التخويف الاقتصادي والتدخل السياسي وأشكال الحرب الهجينة الأخرى. وعلى رغم إنهاك أجزاء من الجيش الروسي، لا تزال موسكو تشكل تهديداً كبيراً للغرب.

وإضافة إلى ردع روسيا وعزلها سياسياً واقتصادياً، سيحتاج الغرب أيضاً إلى الحفاظ على قنوات الاتصال مع الكرملين تجنباً لاندلاع حرب مباشرة بين “الناتو” وروسيا وحفاظاً على الاستقرار الاستراتيجي. لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات أوسع بين الغرب وروسيا طالما أن القتال العنيف مستمر. وفي المقابل، فعلى غرار ما حصل في “الحرب الباردة”، ربما يحظى الجانبان كلاهما بفرص في متابعة تدابير بناء الثقة التي يمكن أن تساعد في تجنب مواجهة لا يريدها أي منهما. وتتمثل إحدى الخطوات المهمة في بدء المحادثات حول تمديد معاهدة “ستارت الجديدة” New START التي تنتهي عام 2026، وتنص على عمليات تفتيش تدخلية وتبادل معلومات حول الأسلحة النووية في روسيا والولايات المتحدة.

احتواء روسيا وتعزيز قوة أوروبا

بالنسبة إلى الولايات المتحدة وشركائها، لا تعتبر استراتيجية الاحتواء الطويل الأمد لروسيا فكرة جديدة. بعد كل شيء، ظل الغرب يتّبع مثل هذه السياسة تجاه الاتحاد السوفياتي طوال أربعة عقود قبل أن تؤدي إلى “إضعاف” القوة السوفياتية، وهي النتيجة التي عقد الدبلوماسي جورج كينان الأمل على تحقيقها حينما جرت صياغة تلك السياسة. لكن خلال “الحرب الباردة”، لا سيما بعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، اتبعت الولايات المتحدة أيضاً الدبلوماسية من أجل تجنب أسوأ النتائج، بشكل خاص اندلاع حرب نووية شاملة. وحتى الرئيس رونالد ريغان الذي انتقد سياسة الوفاق في العلاقات باعتباره تنازلاً عن أمور كثيرة للاتحاد السوفياتي، سعى إلى إرساء علاقات دبلوماسية في أحلك اللحظات التي سبقت وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة، على غرار ما حدث في أعقاب إسقاط السوفيات طائرة مدنية تابعة لكوريا الجنوبية عام 1983.

وعلى غرار الحال مع أسلافه السوفيات، لا بد من حرمان بوتين من القدرة على توسيع إمبراطوريته الشريرة، بيد أن روسيا لن تختفي. لذا، يحتاج الغرب إلى تبني سياسة تجاه كل من كييف وموسكو، إذ لا يستطيع المخاطرة في تبني واحدة من دون الأخرى. إن أوكرانيا الحرة مهمة للغرب، وفي المقابل لا تزال روسيا الإمبريالية تشكل تهديداً لأوروبا. واستكمالاً، لا احتواء روسيا ولا التعاون معها يعتبران كافيين من أجل الدفاع عن الغرب وتجنب صراع أكبر في الوقت نفسه.

بالتالي، فحتى روسيا غير الإمبريالية التي تهتم بشؤونها الخاصة ستكون لها مصالح أمنية، لأن تلك هي حال الدول كلها، واعتراف الغرب بذلك لا يعتبر نقطة ضعف. والجدير بالذكر أن روسيا ليست بحاجة إلى “ضمانات أمنية” وفق ما اقترحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ديسمبر (كانون الأول)، لكن من المنطقي احترام مصالحها المشروعة كالدفاع عن حدود روسيا المعترف بها دولياً. وصحيح أن بإمكانها أن تصون نفسها من خلال الردع النووي، لكن من مصلحتها تقليل التعزيزات العسكرية، وبالتالي احتمال حدوث تصعيد غير مرغوب فيه، على طول الحدود بين “الناتو” وروسيا، على غرار ما يفعل الغرب.

في نهاية المطاف، سيحتاج الغرب وروسيا إلى تبني نسخة من الاتفاقات التي أبرمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها مع الاتحاد السوفياتي بين عامي 1975 و1990 بهدف الحد من أسوأ النتائج [أي تحول الحرب في أوكرانيا إلى حرب عالمية و/أو نووية] وخلق مزيد من الاستقرار في أوروبا. وفي سياق متصل، لقد ألزم “قانون هلسنكي النهائي” لعام 1975 جميع الأطراف الدولية آنذاك بالاعتراف بالحدود الحالية والسعي إلى التغيير من خلال الوسائل السلمية وحدها. كذلك جاءت “وثيقة فيينا” الموقعة عام 1990 والمجددة بشكل دوري في السنوات اللاحقة، على هيئة مجموعة من تدابير بناء الثقة التي حدت من الأنشطة العسكرية وجعلت تبادل المعلومات حول المقتنيات العسكرية أمراً إلزامياً وتطلبت إخطاراً مسبقاً بأي تحركات كبيرة ستقوم بها القوات. وقد وضعت أحكام التحقق والتفتيش الخاصة بتلك الوثيقة من أجل منع إمكانية دخول أي دولة في استخدام قوة عسكرية على نطاق واسع، من دون إشعار مسبق. لا تبدو مثل تلك التفاهمات ممكنة في الوقت الحاضر. وربما تظل غير ممكنة طالما أن بوتين في السلطة، على رغم أن الغرب يجب أن يجربها. في المقابل، يبقى أن صوغ تفاهمات من النوع الموصوف آنفاً يشكل الوسيلة الوحيدة القابلة للتطبيق من أجل التعاون مع روسيا على المدى الطويل. ويصح ذلك حتى في وقت تدافع واشنطن عن نفسها وتساعد أوكرانيا في الدفاع عن نفسها في ما يرجح أن يكون حرباً طويلة وصعبة.

مترجم من فورين أفيرز، يناير (كانون ثاني)/ فبراير (شباط) 2023

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى